الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 30.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
نحو حوكمة سوق العمل في ضوء قرارات عيد العمال

نحو حوكمة سوق العمل في ضوء قرارات عيد العمال

تأتي القرارات المعلنة بمناسبة عيد العمال 2026 وخاصة ما يتعلق بإطلاق منصة سوق العمل وتشكيل لجنتين دائمتين معنيتين باحتياجات سوق العمل وربط التعليم والتدريب بالتشغيل، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى الانتقال من إدارة جزئية ومتفرقة لملف التشغيل، إلى بناء منظومة مؤسسية أكثر تكاملا وقدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

تكتسب هذه اللحظة أهمية خاصة بالنظر إلى أن سوق العمل المصري لا يواجه فقط تحديا متعلقا بمعدلات البطالة وإنما يواجه بصورة أعمق تحديات مرتبطة باتساع نطاق العمل الهش وغير المستقر، واتساع العمالة غير المنتظمة، وضعف الحماية الاجتماعية، والفجوة المستمرة بين مخرجات التعليم والتدريب وبين الطلب الفعلي في السوق.

وعليه فإن تقييم القرارات الجديدة ينبغي ألا يقتصر على بعدها الإداري أو التنظيمي، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها مدخلا لإعادة تنظيم العلاقة بين التشغيل والتخطيط الاقتصادي والتعليم والتدريب، بما يسمح بتحسين جودة التشغيل وتعزيز الحق في العمل اللائق.

أولًا: منصة سوق العمل بين الوظيفة الإدارية ووظيفة الحوكمة

يمثل الإعلان عن منصة سوق العمل تطورا مهما، إذا جرى التعامل معها باعتبارها أداة لإنتاج المعرفة عن سوق العمل لا مجرد وسيلة إلكترونية للإعلان عن الوظائف، فمن الناحية المؤسسية يمكن للمنصة أن تؤدي ثلاث وظائف رئيسية :-

أولًا، تكوين قاعدة بيانات وطنية متجددة عن الباحثين عن العمل والفرص المتاحة.

ثانيًا، رصد الاتجاهات القطاعية والجغرافية في الطلب على العمالة والمهارات.

ثالثًا، توفير قاعدة معلومات تساعد صانع القرار في توجيه سياسات التدريب والتعليم والتخطيط الاقتصادي.

لكن القيمة الحقيقية للمنصة ستظل مرتبطة بطبيعة البيانات التي ستنتجها، فإذا اقتصرت البيانات على المسمى الوظيفي والعدد المطلوب فإن المنصة ستظل أقرب إلى أداة تشغيل تقليدية، أما إذا تضمنت بيانات تتعلق بالأجر المعروض وطبيعة التعاقد والتغطية التأمينية وساعات العمل ومكان العمل وإمكانية التدريب والترقي، فإنها يمكن أن تتحول إلى أداة فعلية لحوكمة سوق العمل، ومن ثم فإن السؤال المركزي هنا هو ما نوع المعرفة التي ستنتجها المنصة عن بنية التشغيل في مصر؟

ثانيًا: التشغيل الكمي وحدوده الاجتماعية

يُظهر الواقع العملي أن قياس نجاح سياسات التشغيل بعدد الوظائف المعلنة أو عدد الداخلين إلى سوق العمل يظل قياسا ناقصا، فالاقتصاد قد يخلق وظائف جديدة لكن هذه الوظائف قد تكون مؤقتة أو منخفضة الأجر أو غير مؤمنة أو غير مستقرة، ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توسيع فرص العمل ,بل في تحسين نوعية هذه الفرص. وتشير أوراق بحثية صادرة عن مبادرة مستشارك النقابي إلى أن جزءا معتبرًا من الاختلالات القائمة في سوق العمل المصري يرتبط بالفجوة بين التشغيل كرقم إحصائي وبين التشغيل كخبرة اجتماعية ومعيشية يومية للعامل، فوجود فرصة عمل لا يعني تلقائيًا توافر شروط الاستقرار أو الأجر الكافي أو الحماية الاجتماعية.

ثالثًا: الحد الأدنى للأجور كمؤشر على جودة السوق

تكشف بعض الإصدارات البحثية عن استمرار فجوة ملموسة بين الإطار القانوني المنظم للأجور وبين التطبيق الفعلي داخل عدد واسع من القطاعات الاقتصادية، وتكتسب هذه المسألة أهمية مباشرة في سياق النقاش الحالي فإذا كانت قطاعات واسعة من الاقتصاد لا تلتزم فعليًا بالحد الأدنى للأجور، فإن نجاح أي سياسة تشغيل جديدة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الوظائف التي تنتجها، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تقليص فجوة الأجر العادل وتحسين القدرة المعيشية للعامل، ومن هنا تبدو الحاجة واضحة إلى إدراج مؤشرات لقياس الالتزام بالحد الأدنى للأجور ضمن أدوات التقييم الدوري لمنظومة سوق العمل الجديدة علي سبيل المثال "مؤشر عام للأجور". 

رابعًا: العلاقة بين التشغيل والتخطيط الاقتصادي

إحدى النقاط الجوهرية في القرارات الجديدة تتمثل في تشكيل لجنة دائمة لاحتياجات سوق العمل تضم جهات اقتصادية وإنتاجية وتخطيطية متعددة، وهذه الخطوة تفتح مجالا مهما لإعادة التفكير في العلاقة بين النمو الاقتصادي والتشغيل، فالخبرة الاقتصادية تشير إلى أن النمو لا ينتج بالضرورة فرص عمل كافية أو مستقرة فبعض القطاعات قد تحقق نموا مرتفعا، لكنها منخفضة الكثافة التشغيلية بينما توجد قطاعات أخرى أكثر قدرة على خلق فرص عمل واسعة ومستقرة ومن ثم فإن القيمة الفعلية لهذه اللجنة ستتوقف على قدرتها على الإجابة عن أسئلة محددة.

  • ما القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص عمل منتجة ؟
  • ما القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل ؟
  • وكيف يمكن ربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات تشغيل واضحة وقابلة للقياس ؟

خامسًا: التعليم والتدريب من زاوية قابلية التوظيف

الحديث عن فجوة المهارات ينبغي ألا يُختزل في نقص التدريب فقط، فالمشكلة أعمق من ذلك وترتبط بضعف الحلقة المؤسسية التي تربط بين التعليم والتدريب من جهة وبين الاقتصاد الفعلي من جهة أخرى، ولهذا فإن المؤشر الحقيقي لنجاح برامج التدريب لا يتمثل في عدد المتدربين أو عدد الشهادات الممنوحة، وإنما في نسبة من انتقلوا فعلًا إلى وظائف مستقرة ومنتجة بعد انتهاء التدريب. ويقتضي ذلك وجود آلية منتظمة لتتبع الخريجين ومشاركة فعلية لأصحاب الأعمال في تحديد المهارات المطلوبة وتوجيه التدريب بشكل قطاعي وجغرافي وفق الطلب الفعلي في السوق.

سادسًا: العمل عن بعد وعمال المنصات وأنماط العمل الجديدة

أدخل قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 إلى المجال القانوني المصري مفاهيم ترتبط بأنماط تشغيل أخذت تتوسع خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها العمل عن بعد، والعمل عبر المنصات الرقمية، وبعض الصيغ المستحدثة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في سياق الحديث عن حوكمة سوق العمل، لأن التحولات الجارية في بنية التشغيل لم تعد مرتبطة فقط بالقطاعات التقليدية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا باتساع الاقتصاد الرقمي، وخدمات التوصيل والعمل الحر المنظم عبر التطبيقات بالمنشآت والأسواق.

غير أن إدخال هذه الأنماط في الإطار القانوني لا يحسم تلقائيًا الإشكاليات المرتبطة بها.

فالأسئلة الجوهرية هنا تتعلق بطبيعة العلاقة القانونية ذاتها.

  • هل العامل على المنصة الرقمية يُعامل بوصفه عاملًا أم مقدم خدمة مستقلًا ؟
  • من يتحمل مسؤولية التأمينات الاجتماعية وإصابات العمل ؟
  • كيف تُقاس ساعات العمل الفعلية في أنماط العمل المرنة أو الممتدة ؟
  • كيف يمكن ضمان الحد الأدنى من الحماية في ظل علاقات تشغيل تقوم في كثير من الأحيان على الخوارزميات والتقييم الرقمي والتحكم غير المباشر 
  • التمثيل العمالي وإنشاء النقابات الرقمية ؟

ومن ثم فإن منصة سوق العمل إذا أريد لها أن تقدم صورة حقيقية عن السوق يجب أن تكون قادرة على رصد هذا التحول. فمن المهم أن تتضمن بيانات عن حجم التشغيل عبر المنصات وطبيعة العقود أو شروط الارتباط ومتوسطات الدخل الفعلي ومدى التغطية التأمينية ومعدلات الاستقرار أو الدوران المهني داخل هذه الأنشطة.

كما أن اللجنتين الدائمتين المعنيتين باحتياجات السوق وبالتعليم والتدريب تحتاجان إلى إدراج هذه الأنماط ضمن عملية التخطيط نفسها، فجزء من المهارات المطلوبة مستقبلًا سيتصل مباشرة بالاقتصاد الرقمي، لكن ذلك يجب ألا ينفصل عن سؤال الحماية والحقوق.

إن إدراج العمل عن بعد وعمال المنصات ضمن منظومة حوكمة سوق العمل لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد استجابة لتطور تقني، بل باعتباره ضرورة لحماية فئات جديدة من العمال من الوقوع في مناطق قانونية رمادية قد تُنتج أشكالًا جديدة من الهشاشة.

سابعا : العمالة غير المنتظمة بوصفها قلب المشكلة لا هامشها

جزء كبير من سوق العمل المصري الفعلي ما زال يعمل خارج الأطر الرسمية للتسجيل والحماية، والعمالة غير المنتظمة ليست هامشًا صغيرًا في السوق .. بل تمثل أحد مكوناته الأساسية ومن ثم فإن أي منصة أو سياسة جديدة لن تكون قادرة على إنتاج صورة دقيقة أو سياسات فعالة إذا بقيت هذه الفئات خارج قاعدة البيانات وخارج أدوات القياس والتحليل.

ولهذا فإن إدماج العمالة غير المنتظمة في بنية المنصة الجديدة وفي مؤشرات التقييم يجب أن يُنظر إليه باعتباره شرطًا جوهريًا لنجاح أي إصلاح مؤسسي لسوق العمل.

ثامنا: مؤشرات مقترحة لقياس العمل اللائق

إذا أريد للمنظومة الجديدة أن تُحدث أثرًا فعليًا، فإنها تحتاج إلى الانتقال من قياس التشغيل الكمي إلى قياس جودة التشغيل وفي هذا السياق يمكن اقتراح مجموعة أولية من المؤشرات.

  • نسبة الوظائف المؤمنة.
  • نسبة العقود المكتوبة.
  • مستوى الأجر الحقيقي مقارنة بتكاليف المعيشة.
  • معدلات الاستقرار الوظيفي.
  • نسبة الانتقال من التدريب إلى التشغيل.
  • نسبة العمل غير المنتظم.
  • التوزيع الجغرافي للفرص.
  • معدلات مشاركة النساء والشباب والفئات الأكثر هشاشة.

إن إدراج هذه المؤشرات من شأنه أن ينقل النقاش من سؤال كم فرصة عمل إلى سؤال أي نوع من فرص العمل ولمن وبأي أثر اجتماعي.

التوصيات 

تمثل القرارات الجديدة فرصة حقيقية إذا جرى التعامل معها باعتبارها بداية لبناء منظومة متكاملة لإدارة سوق العمل.

لكن نجاح هذه المنظومة سيظل مرهونًا بعدة شروط.

أولا:- أن تتحول منصة سوق العمل إلى أداة معلومات وتحليل لا مجرد أداة إعلان.

ثانيا :- أن تُربط سياسات التشغيل بمؤشرات جودة التشغيل لا بمعدلات التشغيل فقط.

ثالثا :-  أن تصبح العمالة غير المنتظمة جزءًا أساسيًا من قاعدة البيانات ومن التحليل المؤسسي.

رابعا:-  أن يُربط التدريب بقياس أثره الفعلي على التشغيل المستقر.

خامسا:- أن تُترجم بيانات السوق إلى قرارات تخطيط اقتصادي واستثماري قابلة للقياس والمراجعة.

سادسا :- اطلاق مؤشر عام للأجور كمؤشر اقتصادي لسوق العمل  

أخيرا فان السؤال المركزي الذي ينبغي أن يحكم النقاش العام اليوم هو كيف تتحول الأدوات الجديدة إلى آليات فعلية لتقليص هشاشة العمل وتحسين جودة التشغيل وتعزيز الحق في العمل اللائق في مصر.
--------------------------------
بقلم: حسن البربري 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:32
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
30.3°C
توقعات الساعات القادمة
30.3°C
30.9°C
30.9°C
30.4°C
29.3°C
27.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...