محمود الشربيني وانتزاع حق الوجود من الذاكرة بعد 38 عاما
"أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً"
إن ما يطالب به محمود الشربيني في كتابه " "كنت رسول نوبل إلى نجيب محفوظ.. الوجه الآخر لصاحب الحرافيش كما عرفته" يتجاوز الاعتراف بسبق صحفي.. إنه يطالب باستعادة لحظة من حياته المهنية والتاريخية، لحظة يقول إنه كان صاحبها، ثم وجد اسمه ودوره غائبين عن روايات أخرى تناولت واقعة إبلاغ نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل. فالسبق، في هذه الحالة، ليس مجرد خبر يصل إلى صحفي قبل غيره، ولا مكافأة مهنية يمكن أن تُمنح أو تُحجب.. ولا يطلب شهرة بعد هذه السنوات.. إنه واقعة تتصل بحق صاحبها في أن يُنسب إليه فعله، وأن يكون له موضع معلوم في تاريخ اللحظة التي عاشها وأسهم في صنعها، وقد لا تتكرر في العمر، وحين يُتجاهل هذا الحق تجاهلًا كاملًا، كما يصور الشربيني تجربته، فإن المسألة تمس ما هو أبعد من المنافسة على الأسبقية: تمس حق الإنسان في أن يكون موجودًا في ذاكرة الآخرين بوصفه فاعلًا، لا شاهدًا مجهولًا على حدث صنعه غيره في الرواية المتداولة. هنا يبدو محو الاسم شكلًا من أشكال محو الفعل.. ومحو الوجود.. إذ يبقى الحدث حاضرًا في الذاكرة، بينما يُنتزع من أحد أصحابه ما يربطه به، كأن التاريخ يحتفظ بما جرى، لكنه يستغني عمن يطالب بحقه في روايته. .. وهذه هي المفارقة القاسية: قد لا يُمحى الإنسان من الحياة، لكنه يُمحى من الحكاية التي تفسّر ما فعله وتثبت وجوده، وقد يظل الحدث محتفظًا ببريقه، فيما يُحرم صاحبه من الاعتراف الذي يمنح تجربته معناها العام..
ومن ثمّ، فإن إصرار الشربيني على إثبات أسبقيته يمكن قراءته بوصفه مقاومة لمحو رمزي أصابه في صميم هويته المهنية.. فهو لا يريد أن يحتكر لحظة نوبل.. وإنما أن يستعيد مكانه فيها، وألا تتحول رواية الآخرين، بفعل التكرار أو قوة المنابر، إلى قدر نهائي يُقصيه من واقعة يقول إنه كان طرفها الأول. وليس من الإنصاف أن نطالبه بالصمت لمجرد أن الرواية السائدة استقرت، كما لا يقتضي الإنصاف التسليم بشهادته دون فحص، بل يقتضي إخضاع الروايات المتعارضة للأدلة نفسها، ثم ردّ الحق إلى صاحبه متى ثبت، وقد أثبت الشرابيني روايته، بالصور وشهود العيان، وتضارب الروايات الأخرى وتفنيدها وعدم منطقيتها، وسذاجة عرضها..
فالتجاهل، إن ثبت، لا ينتقص من سجل صحفي فحسب، وإنما يختل به ميزان الذاكرة نفسها:
مَن يُذكر، ومَن يُنسى، ومَن يملك أن يروي، هل يحتاج امتلاك الحقيقة لقوة ترسخها وتثبتها في الذاكرة... مأساة.. ومَن يترك يطارد روايته كي يثبت أنه كان هناك. عند هذه النقطة، يصبح استرداد السبق استردادًا لحق الوجود داخل التاريخ،لأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون بطل الحدث كي يستحق الاعتراف بدوره، لكنه يحتاج إلى ألّا ينتزع منه دوره لمجرد أن الآخرين امتلكوا قدرة أكبر على تثبيت أسمائهم في الذاكرة بطرق شتى..
وها الشربيني يقول كلمته بعد 38 عاما أفضل من أن لا يقولها أبدا.. الكلمة/الفرد أمام المؤسسة. الكلمة/الهامش أمام المتن. الكلمة/الحقيقة أمام الذاكرة المغلوطة.
-------------------------------
بقلم: هاني منسي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري