ماذا نتعلم من عمران خان؟
عمران خان ظاهرة سياسية تستحق التوقف عندها. رجل بدأ حياته نجمًا عالميًا في لعبة الكريكيت، ثم انتقل إلى السياسة، وانتظر أكثر من عقدين قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة، قبل أن يفقد السلطة ويدخل السجن. ومع ذلك، بقي حاضرًا في المشهد السياسي الباكستاني، وتحول سجنه نفسه إلى واحدة من أكثر قضايا الصراع السياسي إثارة للجدل في البلاد.
هذه الرحلة الطويلة تطرح أسئلة تتجاوز شخص عمران خان. إنها تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والجيش والسياسة والشارع في باكستان، وتقدم للنخب السياسية في بلادنا مادة جديرة بالتأمل.
عندما أسس عمران خان حركة الإنصاف الباكستانية عام 1996، لم يكن يملك حزبًا عريقًا ولا شبكة سياسية تقليدية. كان يمتلك اسمه وشعبيته وصورة مختلفة عن السياسيين الذين اعتادهم الباكستانيون. احتاج إلى سنوات طويلة لبناء الحركة، حتى وصل إلى السلطة عام 2018 في بيئة سياسية كان للجيش فيها نفوذ بالغ، وكانت علاقته بالمؤسسة العسكرية في بدايات حكمه أقرب إلى التفاهم منها إلى المواجهة.
ثم تغيرت العلاقة.
تراكمت الخلافات بين الرجل والمؤسسة العسكرية، ووصلت إلى نقطة الانفصال. وفي أبريل 2022 خسر عمران خان تصويت حجب الثقة، وغادر رئاسة الحكومة بعد أقل من أربع سنوات على وصوله إليها.
عادةً ما تعني خسارة السلطة بداية انحسار السياسي. بالنسبة إلى عمران خان، بدأت مرحلة جديدة أكثر صخبًا.
خرج إلى المعارضة بقوة، وحشد أنصاره في تجمعات جماهيرية ضخمة، وواصل مهاجمة خصومه والمؤسسة العسكرية. وفي نوفمبر من العام نفسه تعرض لمحاولة اغتيال وأصيب خلالها. ثم جاءت الاعتقالات والمحاكمات والأحكام، وانتهى به الأمر إلى السجن منذ 2023، في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ السياسة الباكستانية الحديث.
كان الرهان الواضح أن إبعاده عن المجال السياسي سيضعف قدرته على التأثير. لكن الأحداث اتخذت مسارًا مختلفًا.
ظل اسمه حاضرًا في الشارع، وبقيت حركة الإنصاف قادرة على التعبئة رغم القيود التي تعرضت لها. وفي انتخابات فبراير 2024، حُرم الحزب من خوض الانتخابات باسمه ورمزه المعتادين، وكان زعيمه في السجن، ومع ذلك حقق المرشحون المدعومون منه نتائج قوية، وأصبح واضحًا أن عمران خان ما زال يمثل مركز ثقل انتخابيًا لا يمكن تجاهله.
هنا تظهر قيمة التجربة.
عمران خان خسر السلطة، لكنه احتفظ بعلاقته بجمهوره.
وهذا الفارق هو الذي يفسر استمرار حضوره. فالمؤسسات تستطيع أن تسحب المنصب، وأن تفرض القيود، وأن تمنع السياسي من الحركة، لكنها لا تملك الوسيلة نفسها لسحب الثقة التي تكونت بينه وبين قطاعات واسعة من المجتمع.
تجربة عمران خان تقدم نموذجًا مهمًا لفهم الفرق بين قوة الموقع وقوة الشعبية. الموقع يمنح صاحبه أدوات الدولة، أما الشعبية فتمنحه قدرة على الاستمرار خارجها. وحين يخرج السياسي من السلطة وهو لا يملك سوى منصبه، ينتهي تأثيره غالبًا بانتهائه. أما حين تكون له قاعدة اجتماعية حقيقية، فقد تتحول خسارته للسلطة إلى مرحلة جديدة من الصراع.
وهذا هو الجانب الذي يستحق أن تقرأه النخبة المصرية بعناية.
تجربة عمران خان ليست نموذجًا كاملًا للحكم، ولا الرجل سياسيًا بلا أخطاء. وصوله إلى السلطة نفسه ارتبط بتوازنات داخل الدولة الباكستانية، وحكومته واجهت مشكلات سياسية واقتصادية، كما أن علاقته بالجيش مرت من التفاهم إلى الصدام. لذلك لا تصلح قصته وصفة جاهزة لأي بلد آخر.
قيمتها تكمن في مكان مختلف:في الطريقة التي بنى بها علاقة مباشرة مع قطاع واسع من المجتمع، ثم حافظ عليها بعد خروجه من السلطة.
هذه نقطة غائبة عن كثير من تجاربنا السياسية. فالأحزاب التي تستمد قوتها من قربها من السلطة تجد نفسها ضعيفة حين تبتعد عنها، والسياسي الذي يراهن على المنصب وحده يفقد معظم وزنه بمجرد مغادرته. أما بناء السياسة من المجتمع، وتكوين قاعدة مؤمنة بفكرة أو مشروع أو قيادة، فيخلق نوعًا آخر من القوة؛ قوة لا تزول تلقائيًا بتغير موقع السياسي.
ومن هنا تأتي دلالة عمران خان.
يمكن أن يكون الرجل خلف القضبان، وتظل صورته حاضرة في الانتخابات. يمكن أن يفقد الحكومة، وتظل حكومته السابقة موضوعًا للصراع السياسي. ويمكن أن يُحاصر حزبه، بينما يظل أنصاره قادرين على التعبئة والتأثير.
لقد تحولت تجربة عمران خان من قصة صعود سياسي وسقوط حكومي إلى اختبار لقدرة الدولة على احتواء خصم يمتلك حضورًا اجتماعيًا واسعًا.
وقد يعود عمران خان إلى السلطة، وقد لا يعود. هذه مسألة ستحددها السياسة الباكستانية وتوازناتها المقبلة. لكن الدرس الذي أصبح واضحًا بالفعل يتجاوز نتيجة هذه المعركة.
السلطة تستطيع أن تعزل السياسي عن الحكم، لكنها لا تستطيع أن تعزله بالضرورة عن المجتمع.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمشوار عمران خان: أنه يذكّرنا بأن السياسة تبدأ من الناس، وأن المنصب قد يكون مصدرًا للقوة، لكنه ليس مصدرها الوحيد.
------------------------------
بقلم: محمد حماد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري