كوم شفيقة .. قصة قصيرة يكتبها: محمد فيض خالد
رُبَّما لم يخطر بباِل " شفيقة " المُعدمة أنَّها ستصبح بمرورِ الوقت أشهر سيدات القرية، أشهر من امرأة العمدة ابنة محضر المحكمة "عبدالبديع أفندي العِتر" ، فالأيام حُبلى بالمفاجآت ، أمام غرفتها التي أكلتها الرطوبة ساحة كبيرة، يلقي الناس بكناستهم ، ولأنَّها فقيرة لاذت بالصَّمتِ ، اكتفت أن ترعى عنزاتها بقايا ما يُلقى ، لم أعرف متى اتخذ أطفال القرية كوم " شفيقة " مكانا للعب ، وناديا يجتمعون إليه في ليالي سهرهم ، وساعاتهم الطوال التي تَسبق السَّحور، تعتمد رأسها بيدها كالصغار تنتظر مثلهم مرور "أبو السعود المسحراتي" ، كي يُدفئ جلد طبلته السَّميك ، تهم متطوعة تجمع القش من فوقِ الكوم في حماسٍ تشعله ، تُمرّر يدها في أُنسٍ فوق وجهها ، وهي تُحوقل وتُبسمل داعية الله أن يجعلها أيام خير وبركة ، وأن يقدر لابنها "عبدالغني" الإعفاء من العسكرية. تَظل في انجذابٍ لقصصِ الصِّبيان إلى أن يتفرقوا في أعقابِ ضارب الطَّبل ، يُرددون خلفه أسماء أصحاب البيوت، " شفيقة " مَهيضة الجناح ، بلا عزوة ولا عشيرة ، بيد أنَّها ترى في ناس القرية أهلها ، لم تَتأفف يوما وهي ترى الرُّكام يتزايد من أمامها ، تُشيّعه بعيٍن مُنكسرة ، قائلة وهي تَهشّ على عَنزاتها وتحجِّز على فراخ الدجاج المبعثر فوق الكوم :"فضاء الله متسع للجميع". تَجرّأت يوما فأقامت جِدرانا من الّطينِ ، عرّشتها بحصيرٍ قديم ، وغرست إلى جوارها شجرة نبق، اتخذته مَوقدا وفُرنا للخَبيزِ ،ومن خَلفهِ غرفة كبيرة للتِّبنِ ومَربطا لبقرتها العَجفاء، مع الوقت تغافلت عن كلامها القديم ، يتَهلّل وجهها مع كُلِّ جدار تُقيمه حتى استولت على المكان ، لم يمهلها القدر، حين استيقظت ذاتَ صَباحٍ على جَلبٍة كبيرة ، رجالٌ غرباء في سياراتٍ رسمية ، جَاءَ بهم العمدة ومن خَلفهِ الخَفر، فردوا على عَجلٍ أدوات المساحة ، خَطَّطوا المكان بالجير، وثبتوا فوق الجُدران علامات حَمراء ، امتدت بعد أيام شهية الفؤوس لتلتهم جدرانها ، حتى ساوتها بالأرضِ ، نبشوا التراب وزرعوا أعمدتهم الخرسانية التي ملأت المكان، لازمت الصمت ، تَربَّعت أمام عتبها بوجٍه مُحتقن ، تَلعن أيام المدرسة والتعليم ، وتَسبّ العمدة ، انتهى العمل وبرز المبنى يَتلألأ في زَهوٍ تحت الشمس ، فاضت الفصول بصياحِ التلاميذ ، ورنين جرس نحاسي كبير لا يتوقف. رَجعتُ قريتنا بعد سَفرٍ طويل، لم أجدها ، سألت من أجابني بأنَّها مَاتت منذ عامين ، وجدوها مُلقاة تحتَ جدارِ المدرسة ، تَعلّقت بالُمحالِ ، أن يتركوا لها الكوم ، ترعى عنزاتها وتهش دجاجاتها ، لكن خَابَ ظنَّها ومات معها الأمل.
---------------------------
بقلم: محمد فيض خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري