السبت، 31 أكتوبر 2026 القاهرة 20.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي

غُرَبَـاء .. قصة قصيرة

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:18

لم أصدق نفسى حين جاءنى صوته عبر الهاتف. ما زال كما هو بزخمه ونبرته الطفولية وضحكته المتقطعة. مرت سنوات -لا أدرى عددها- منذ آخر لقاء جمعنا. أخبرنى أنه عمل فى الخليج. طاف ببلاد العباد، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، حتى انتهى به المطاف فى أم الدنيا بعد تقاعده المبكر لأسباب صحية. 

"الأولاد بخير. ولد نِكدى لأبيه وبنتان جميلتان لأمهما" قال ضاحكا، ثم أردف"واحدة هاجرت مع زوجها إلى استراليا، والثانية تعيد إنتاج قصة أبيها فى الخليج"، شدتنى ضحكته المتقطعة المميزة إلى سنوات الشباب، وقت كنا نفتعل النكات لنضحك على ضحكته. 

انسابت كلماته تلقائية يخالطها شجن إنسانى قديم، "الوقت ممل. أصحو من النوم بلا هدف. اتصفح الجرائد. أبدأ بصفحة الوفيات. عرفت أن صديقنا حسن عمران توفى. ترحمت عليه وأقرأ له الفاتحة كل صباح. لم أره منذ تخرجنا. اكتشفت رقم هاتفك بالصدفة". ثم سألنى، كيف تقضى وقتك؟. 

أنتشلتنا ذكريات الجامعة من بحر آلامنا. جرجرتنا إلى صفاء بهتت ملامحه. نبحث عن إبرة الفرح فى كومة قش الأحزان. تذكرت سفره للعمل فى لبنان صيفاً، ثم عودته متزوجاً فى البكالوريوس. نستغرب فعله علنا ونحسده سراً، خاصة عندما نتذكر تعليقه، "بدلاً من زيارة لبنان، أحضرت لبنان معى" ثم تأتى ضحكته المتقطعة، فنضحك معاً. تزوج فتاة رائعة الجمال. لبنانية وكفى. توقعنا أن ينفصلا فى أى وقت، فهو ما زال يدرس وأمامه خدمة عسكرية، وبحث شاق عن العمل. خابت ظنوننا، وظل هناك ما يربطهما. أستأجرا شقة صغيرة ملأتها عليه أُنساً وبهجة. يخرجان معاً صباحاً، هى للعمل فى شركة مستحضرات التجميل، وهو للكلية، بينما تكفل ما جمعه من عمله الصيفى في لبنان بالإنفاق عليهما.

نجح بعد تخرجه فى الحصول على عمل بشركة أجنبية فى الأسكندرية فانتقلا معاً تصحبهما طفلتهما الأولى. يوماً بعد يوم، يجتهد ويترقى. انتقل مديراً لفرع الشركة بالبحرين، ثم مديراً لفروعها بالخليج. عرف سكينة المنزل، ورغد العيش، وهناءة الحياة. تعلمت ابنتاه فى مدارس أجنبية، وحصلا على شهادتهما الجامعية واحدة فى الاقتصاد من لندن، والأخرى فى الإدارة من باريس. هاجرت الأولى مع زوجها، وابن خالها فى نفس الوقت. بينما عملت الأخرى هى وزوجها فى مَسقَط، ويكمل الولد دراسته بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

يشكو صاحبنا الوحدة ويستشعر غربة. رفض الإقامة فى بيروت مع أسرة زوجته، أو الهجرة لاستراليا بالقرب من ابنته. فضل العودة إلى محل ميلاده ومستقر جثمانه، بحسب تعبيره. إحساسه بالغربة يتنامى بشكل يزعجنى. نلتقى يوماً بعد يوم وأهاتفه يومياً. ما بدا عارضاً صار مزمناً. يخبرنى هاتفياً "نحن فى طريقنا إلى الساحل الشمالى. سوف نمكث هناك أسبوعاً أو اثنين". ثم أفاجأ به فى الصباح يتصل بى ويخبرنى أنه فى طريق العودة. 

يفضفض قائلاً: "الولد لا أعرف عنه شيئا. يدخل غرفته فينسى أننا معه. أحادثه فلا يسمع. تشرنقت زوجتى فى زقاقات التواصل الاجتماعى حتى لحس (الفيس) عقلها. نَسِيَت المكان والزمان. أكلت الغربة أصدقائى وعمرى. ومزق أولادى أحلامى. أشعر بالغربة والوحدة"، ثم يُردف "لولاك لانفجرت". لم أعرفه ضعيفاً أو حزيناً. الغُربة نار تشوينا على جمر الزمن. طبيعى أن تستشعر غربتك فى بلد آخر. قاسٍ جداً أن تغترب فى وطنك. أما ما لا يحتمل، فغربتك فى بيتك. أن تنظر حولك فلا تعرف أحداً ولا يعرفُك أحد. تتحدث فلا تُسمع. تنادى فلا تُجاب. بِحارُكَ بلا شُطآن. وسفرك بلا عودة. وحزنُك بلا قرار. إيه .. اللهم ارحمنا فى غربتنا.

------

بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

[email protected]

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.3°C
توقعات الساعات القادمة
20.3°C
22.6°C
24.5°C
25.4°C
25.9°C
26.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,063ج.م
عيار 21
6,180ج.م
عيار 18
5,297ج.م
الجنيه الذهب
49,440ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...