الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 القاهرة 23°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عطفة المحبة (2) | أم سلامة.. حين تصبح الجيرة أمومة

عطفة المحبة (2) | أم سلامة.. حين تصبح الجيرة أمومة

"انزلي يا بت إنتِ وهي... الحاجات جت من البلد !"

لم يكن هذا مجرد نداء، بل كان موعدًا شهريا يعرفه الجميع، ما إن يصدح صوت أم سلامة من بئر السلم، حتى تبدأ أبواب الشقق في الانفتاح واحدًا تلو الآخر، تنزل النساء مسرعات، تسبقهن ابتساماتهن، وكأنهن ذاهبات إلى لقاء ينتظرنه منذ أيام.

واليوم، وأنا أواصل رحلتي في «عطفة المحبة»، سأطرق أول أبوابها، إنها الشقة الأرضية في آخر بيوت العطفة.

وللوصول إليها، كان علينا أن نعبر الزقاق كله؛ ذلك الزقاق الصغير المتفرع من احدي تفريعات شارع محمد علي في حي القلعة، حيث يبدو التاريخ جارًا للناس لا مجرد صفحات في كتاب، فمن أسطح منازل العطفة كانت مآذن السلطان حسن والرفاعي تلوح في الأفق، وعلى مسافة دقائق تمتد مساجد آل البيت؛ السيدة زينب، والسيدة عائشة، والسيدة نفيسة، والست فاطمة النبوية، ثم الإمام الحسين، وكانت الزوايا والأضرحة والمساجد المملوكية القديمة جزءًا من المشهد اليومي، حتى غدا صوت الأذان، وتعاقب المصلين، ورائحة البخور في بعض الليالي، جزءًا من ذاكرة المكان.

ولعل أهل العطفة حملوا شيئًا من روح تلك البيئة، فلا أدعي أنهم كانوا ملائكة، لكنني عرفت بينهم أصالة في المعاملة، ومحبة لفعل الخير عز وجودها في زماننا هذا.. رأيت منهم ، تدينًا بسيطًا يترجم نفسه في السلوك قبل الكلام كانوا يرون أن حق الجار عبادة، وأن ستر الناس أقرب إلى الله من تتبع عيوبهم.  

وكانت أم سلامة واحدة من أجمل تجليات تلك الروح،  كانت تسكن الشقة الأرضية مع أسرتها، امرأة في العقد السادس من عمرها، أو هكذا بدت لي وأنا طفلة، فقد كان الأطفال يومها يظنون كل من تجاوز الأربعين شيخًا، رحل زوجها مبكرًا، وترك لها مسؤولية الأبناء، لكنها لم تسمح للحزن أن يغلق باب بيتها، ولا للفقر أن يضيق قلبها.

لا أذكر متى رأيتها لأول مرة، لأنها كانت موجودة في حياتنا منذ بدأت أعي الدنيا، كأنها جزء من البيت نفسه، أو كأنها إحدى دعائمه التي تمنح المكان طمأنينته.

كنت أظن أن النساء يسرعن إلى ندائها من أجل الجبن القريش، والزبد البلدي، والبيض الذي كانت تحضره من قريتها في الشرقية.

لكنني حين كبرت، أدركت أنهن كن يذهبن إليها قبل أن يذهبن إلى ما تحمله، فكل واحدة منهن كانت قد تركت أمها في قرية أو مدينة بعيدة، وجاءت إلى القاهرة تحمل هموم بيت جديد، وأطفال صغار، وحياة لا ترحم، وفي هذه المدينة المزدحمة، أصبحت أم سلامة أمًا بالتبني لكل من احتاج إلى أم.

كانت ملجأً للأمهات الصغيرات، تستمع إلى شكواهن من مرض طفل، أو عناد ابن، أو خلاف مع زوج، ثم تجيب بكلمات قليلة، لكنها كانت تخرج من قلب عاش التجربة قبل أن ينطق بالنصيحة.

لم تكن تسأل امرأة إن كانت تملك ثمن ما تأخذه، فقد كانت تعرف أحوال البيوت قبل أن تُروى لها.

من استطاعت الدفع دفعت، ومن ضاقت بها الأيام، كانت تسمع الجملة نفسها: "لما ربنا يفرجها".

ولا أذكر أنها ردت محتاجًا، أو أحرجت امرأة بسبب دين، أو جعلت المال يقف بين الناس ، بل كثيرًا ما كانت تضع في يد إحداهن رغيفين من الخبز الفلاحي، أو قطعة جبن، أو بيضتين بلدي، وهي تقول في بساطة: "خدي دول للعيال".

اليوم، حين أرى المنتجات الريفية تُعرض في المتاجر الفاخرة داخل عبوات أنيقة، أتذكر أم سلامة وأبتسم، لم تكن تعرف شيئًا عن التسويق، لكنها كانت تعرف شيئًا أهم بكثير... أن البركة لا تزيد إلا حين تتقاسمها القلوب.

وفي منور العقار، كانت تربي الدجاج والبط وبعض الطيور، لم يكن ذلك مجرد وسيلة للرزق، بل كنت أشعر، وأنا طفلة، أنها تخشى أن تنسى رائحة القرية، أو أن تنسى القرية طريقها إليها.

ثم جاء امتحانها الأصعب.

رحلت ابنتها الصغرى وهي في ريعان شبابها وهي تضع طفلتها الثانية، وتركت طفلًا صغيرًا وأخته الرضيعة، عاد الأب إلى حياته، وبقي الطفلان في حضن الجدة ، لم  تتردد أم سلامة لحظة، ضمت حفيديها إليها، وقررت أن تكون لهما الأم والجدة معًا.

وكان سندها في ذلك ابنها سلامة، الرجل الهادئ الذي ورث عنها طيبة القلب قبل أن يرث ملامحها، كان يعمل في أحد المستشفيات، ويعرف أن كرامة الإنسان في سعيه، وأن الأسرة لا تحفظها إلا التضحية.

وبعد أن انتهت زيجته الأولى التي خرج منها بابنه الكبير والذي يعيش مع أمه، تزوج للمرة الثانية من فتاة ريفية اختارتها له أم سلامة .

دخلت الزوجة الجديدة البيت وهي تعلم أن في انتظارها طفلين فقدا أمهما.

ولم أسمعها يومًا تفرق بينهما وبين أبنائها الذين أنجبتهم بعد ذلك.

كانت توقظهما، وتطعمهما، وتتابع دراستهما، وتمسح دموعهما، كما لو كانا قطعة من قلبها بل وكانت أمّا حقيقية لكل طفل ولد في هذا المنزل.

ولذلك، لم يكن أحد يستطيع أن يميز بين أبناء البيت.

فقد غرست أم سلامة في الجميع قيمة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الرحمة لا تحتاج إلى صلة دم.

وكان البيت نفسه شاهدًا على ذلك.

ثلاث غرف فقط.

في الأولى أم سلامة مع حفيديها.

وفي الثانية سلامة وزوجته وأبناؤهما.

وفي الثالثة ابنتها عطيات مع زوجها وأبنائها الستة.

وحين أتذكر ذلك الآن، أتساءل: كيف اتسعت ثلاث غرف لكل هؤلاء؟ ثم أبتسم، لأنني أعرف الإجابة.

لم تكن الغرف هي التي اتسعت... بل كانت القلوب.

وحين رحلت أم سلامة، لم يغادر صوتها العطفة.

وإلى اليوم، كلما شممت رائحة الخبز البلدي، أو رأيت امرأة تحمل خير قريتها إلى جيرانها، أسمعها تناديني من بعيد: "انزلي يا بت إنتِ وهي... الحاجات جت من البلد" .

وأدرك أن بعض الناس لا يرحلون حقًا.

لأنهم لا يعيشون في البيوت... بل يعيشون في ضمائر من أحبوهم.
---------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:24
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.0°C
توقعات الساعات القادمة
23.0°C
21.4°C
20.8°C
19.9°C
19.0°C
18.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,148ج.م
عيار 21
6,254ج.م
عيار 18
5,361ج.م
الجنيه الذهب
50,032ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...