الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 22.8°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عبور آخر !

عبور آخر !

سألني ذلك الشاب مندهشاً، وعيناه منديّتان بدموع : " ألست حزيناً علي السيد حسن نصر الله ؟" ؛

قلت له : بلي ، ولكنني أغبطه علي ما ناله من جائزة كبري ، وذلك يخفف الأحزان كثيراً .. ".

لقد رأيت بعيني جثمان أحد الرفاق بعد أيام من استشهاده ، ولم نكن في وضع يسمح باسترداد جثمانه بسبب نيران العدو ..

عندما تأملت إلي ملامحه ، كان هو نفس مصطفي رفيق عنبر الكلية الحربية ، بل إنه كان متبسماً ، يبدو قريراً مرتاحاً، ولم نلحظ أي انتفاخ أو رائحة ، مثل ما كانت عليه جثث جنود العدو التي كانت علي مقربة منه ، وتقريباً قتلهم مصطفي قبل أن يستشهد ..

يا بني .. كانت تلك والله أعز الجوائز التي نرجوها من الله ، وأهم من كل الأوسمة التي تقلدناها فيما بعد ..فأي شئ يمكن أن يعادل شهادة نكون بعدها " أحياء نرزق عند ربنا في جنات النعيم " ..

ذلك وعد الله ، والله لا يخلف وعده .

تحية للرفيق الشهيد مصطفي عبد السلام ، وليس لدي أدني شك أنه يسمعها مني الآن ، ولعله يبتسم وهو يتذكر تعاهدنا في آخر لقاء بنادي الجلاء قبل الحرب أن نستشهد معاً في عملية صاعقة خلف خطوط العدو .

"  مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا " .

***

لم اتذكر " العبور " فقط ، بل أنني في ذلك اليوم قبل ستة أعوام ، وفي ظلام الزنزانة ، استحضرت يوسف الصديق ، فأنا مثله ، مسجونا بلا جريمة ، وقد قُد قميصي من دبر ، ولكن الشاهد لم يكن أمينا .

همست متبسما: " يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي مصيبتنا "....

وكان الهواء قد فر من الزنزانة ، وآلام الصدر مبرحة بعد يوم طويل قضيته معصوب العينين ، مقيد الذراعين ، ينقلونني من مكان إلي آخر في سيارة التراحيل الضخمة ، بلا ماء او طعام بل وأخذوا مني الدواء بإعتباره من الممنوعات ..

ضربت بكلتا يدي علي باب الزنزانة وانا أهتف كي يفتحوا الطاقة الصغيرة التي كانوا قد اغلقوها باللحام ، كنت اختنق فعليا  ..

في النهاية استلقيت كي اوفر طاقتي ، واستحضرت أيام الجبهة والملاجئ المدفونة تحت الأرض التي كنا نعيش فيها صيفا وشتاء ، ووجدتني أتبسم مرة أخري ، لأن المقارنة لا تصلح ، فشتان بين شاب في عنفوان العشرين ، وشيخ يزحف إلي السبعين ..

ثم .. كأنني سمعت يوسف الصديق الذي كان أيضا في حبس إحتياطي ، يقول في صوت عطوف :" ستمر الأيام العجاف ، ثم يأتي بعد ذلك زمن فيه يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ " ..

قلت لنفسي متبسما :" ربما كان يوسف في هذه الزنزانة أو في مكان قريب منها".

ثم غبت عن الوعي ..
--------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق 



استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:50
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
22.8°C
توقعات الساعات القادمة
22.8°C
23.9°C
24.2°C
24.4°C
24.0°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...