عامل ومُعلم ومُحرر
الفصل الأول
يفكر مليًا في مغادرة البلاد هذا الشابُّ الذي لم ينل سوى تعليم فني أو تجاري أو زراعي، أو ربما لم تساعده الظروف في إتمام هذا المستوى الذي يسمى متوسطًا.. حتى إنه عندما لم يكن يملك تكاليف سفره أو مقابل عقد عمل يحصل بمقتضاه على تأشيرة العبور، لم يتوان في بيع شيء لديه، أو البحث جديا عمن يقرضه ولو ظل أمدًا يسدد ما اقترضه من عائد عمله، بعد بلوغ مراده وتحقيق ما ظنه حلما لطالما راوده منذ الصغر..
تساؤل:
كيف يتحمل شابٌّ يطمح لبناء مستقبله نحو 30 ألف جنيه مصري حدًا أدنى ربما يتجاوز الخمسين ألفًا- حسب وجهته المبحوث عنها- ولو عن طريق الاستدانة، فضلا عن نوعية عمله خارج بلده في سبيل ما يعينه على اقتياته وذويه أو تدبير نفقات زواجه أو توفير حياة كريمة لأسرته؟..
ربما مَن لم يجد طريقا إلا هذه يرى أنه لا حل في سواها، هو واثق في أن بقاءه لن يضيف إليه جديدا، كما يؤمن بأن في سفره وعمله خارج الديار حلا سيحوله للأفضل ولو بقدر ملحوظ، رغم يقينه بتحمله تبعات رحلته التي بلا شك تسرق سنين عدة من عمره بعيدا عن مسقط رأسه وعشيرته، قد يهون عليه أنه وضع أُنموذَجا لتقليده..
الفصل الثاني
ارتدى قميصًا أبيض وبنطالاً أسود وحمل نفسه على استعمال رابطة عنق حمراء اللون، فهو المُعلم الذي لم يعتد ارتداء الـ«الكرفتة»، إذ إنها قد تعيقه وهو يشرح بكلتا يديه لتلامذته الذين يتخرجون فيما بعد، ومنهم الطبيب والقاضي والمهندس، وذو التعليم المتوسط، وغيرهم.. سار المُعلم متفاخرًا حاملا شهادته وأوراقه الثبوتية ليحضر «إنترفيو» دعاه إليه أحد مكاتب السفريات الذي كان قد ترك طلبًا لديه لو توافرت فرصة.. يدخل المكتب ليفاجأ بأن طابورا من المعلمين على هيئته نفسها وإن اختلف لون «الزي» المُرتدى، قد سبقوه للحضور، أدرك حينها شُح نصيبه في تلكم الفرصة المتوافرة، فهناك من هم أكبر منه سنا وخبرة فضلا عن كونهم تمتموا باستعدادهم للتدريس خارج البلاد ولو مقابل راتب زهيد غير ذلك الذي أخبره المكتب به..
إحباط
ونظرًا لكثرة المتقدمين للعمل، دخل الحضورُ أربعةً أربعةً إلى صاحب المدرسة التي يقع مقرها في إحدى البلدان المجاورة والذي أجرى المقابلات بنفسه، وهو على يقين بأنه تتلمذ ونشأ وتربى على أيدي معلمين مصريين عظماء، يَسندُ إليهم، ربما كل جيله لا من بلده وفقط، بل من دول مجاورة، الفضل فيما أصبحوا عليه ووصلوا إليه من ترّقٍ.. وبعد ساعات طوال أرهقت قدميه حان دوره ضمن أربعته..
ويبدو أن صاحب «المخل» كان يعلم شيئًا من فصاحة اللغة العربية، إذ طلب من كل متقدم لشغل الوظيفة تعريف نفسه ودرجته العلمية وخبرته في دقيقتين، مستخدمًا «الفصحى»، فرح قليلا صاحب «الكرافتة» الحمراء ظنا منه أن الخبرة لن تكون المعيار الأوحد لشغل الوظيفة، وعندما حانت دقيقتاه قدم سيرته في الوقت المحدد له، مختتما بأنه من عشاق التدريس، قبل أن يتلقى ردًا: من أين أتى عشقه ذلك، وهو ذو سن صغيرة، ولا وجه مقارنة مع مرافقيه، فأصيب بنوع من الإحباط، لكنه سرعان ما أيقن أحقية من يكبرونه سنًا وخبرة وعلمًا، ثم وقف من بعده إحدى قامات التدريس، مُعربًا عن استعداده للعمل في الخارج مقابل نصف الراتب المُعلن عنه، وراح هذا المُعلم يسرد سنوات خبرته في الخارج وكيف كان يقوم بأكثر من مهمة في منشأة واحدة مقابل أجر واحد، وأنه لم يعد من هناك إلا مُجبرًا.. انتفض حديثُ التخرج من هول إحباطه، قبل أن تتداعى على مخيلته الأسئلة واحدا تلو الآخر، ما الذي دفع هذا المدرس المفضال لبخس ثمن علمه بهذا الشكل، وحضرته جملة «كيف نساويكم بمن علموكم» التي قالتها إحدى قادات الدول الأوروبية لقضاة خرجوا في الشوارع، مطالبين بمساواة رواتبهم بما يتقاضاه المعلمون، قبل أن ينصرف من فوره مقررا الاكتفاء بعمله الذي لا علاقة له بما درسه وإرجاء فكرة السفر إلى حين..
الفصل الثالث
رشحه، لكفاءته، أحد زملائه للعمل محررًا بإحدى الصحف العربية التي لديها مكتب بالقاهرة، لكنها تشترط العمل بأدوات ذاتية، مقابل راتب، من وجهة نظر مدير المكتب، يضم كلفة استعمال تلكم الأدوات، علاوة على أنه أعلى قليلا من متوسط الرواتب المتداولة بسوق الصحافة هنا.. وافق على العمل كونه من المنزل وقد يساعد العائد من ورائه في تحسين دخله، ومع مرور الوقت وتغير حركة الأسعار، استغل مقابلة أحد مسؤولي الصحيفة علّه يحصل على راتب أعلى مما يتقاضاه آنذاك، قبل أن يجد ردًّا بأن الأمر تم تقديره بعد دراسة مدققة لما يتقاضاه زملاؤه في بلده، وأنهم لو وجدوا معدلات أعلى، لربما تغير التقدير..
مشهد متكرر
وفي خضم السير بطريق مهنة البحث عن المتاعب وسعيا منه لإيجاد ما يعينه على توفير سكن أكثر ملاءمة لوضعه الاجتماعي كمحرر محسوب على الطبقة ذات الدخل المتوسط، وجد فرصة عمل بموقع إلكتروني لصحيفة عربية كبرى طلبت
إجراء اختبار، لم يشغله اجتيازه فهو المشهود له بالكفاءة بين زملائه، لكن ما شغله هو ما جاءه اعتراضًا على راتب كان قد حدده في أثناء ملئه ما يسمى الـ«أبليكيشين»، زاعمًا أن المكان لا يتحمل هذا الرقم، وأن مدير «الشيفت»، شخصيا، لا يتقاضاه، رغم أنه ربما قد لا يصل لنصف ما يحصل عليه زميله في المقر الأم لتلك الصحيفة!
---------------------------
بقلم: عزت سلامة العاصي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الذبح لمن استطاع سبيلا
بعد سيطرة ضباط يوليو1952على مصر..وبعد انتشار(شعارات العروبة) والقومية العربية.. وتوأمتها الوحدة العر...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري