سوق النخاسة الحديث.. كيف تم تسليع مائة مليون مواطن؟
لم يعد المواطن مجرد إنسان له حقوق وحياة، بل تحول بمرور الوقت إلى "سلعة" تُباع وتُشترى في أضخم سوق احتكاري عرفه التاريخ الحديث. نحن أمام مائة مليون مصري، تم تجريدهم من حقوقهم الأساسية ليصبحوا هدفاً استراتيجياً لشركات الاستثمار العقاري، ومافيا المستشفيات، وإمبراطوريات التعليم الخاص. إننا نشهد اليوم إعادة إحياء لـ "سوق النخاسة"، ولكن ببدل أنيقة وعقود استثمارية لا تعرف الرحمة.
استباحة الثروات وتواطؤ الداخل
السوق المصري، الذي يعادل في حجمه الاستهلاكي سوق الخليج العربي بأكمله، أصبح مطمعاً لرؤوس الأموال الإقليمية والخليجية. تأتي بعض هذه الأموال لا لتبني أو تعمر، بل لتنهب ثروات هذا البلد وتستنزف جيوب شعبه. يتم استغلال حاجة الناس الأساسية في المأوى، والتعليم، والمرض، وتحويلها إلى آبار تضخ أرباحاً خيالية في حسابات المستثمرين، تاركة المواطن يصارع من أجل البقاء.
ولم يكن هذا الاستنزاف ليحدث لولا التواطؤ الفج من بعض رجال الأعمال المصريين؛ أولئك الذين ارتضوا أن يلعبوا دور السمسار في وطنهم. هؤلاء شركاء أساسيون في "مص دماء" الشعب وإفقاره، يسهلون سرقة ثروات الأمة ويشاركون في المخطط مقابل عمولات وأرباح تتضخم على حساب أنين الفقراء، والطبقة المتوسطة التي تم سحقها تحت عجلات هذا الاستثمار المتوحش.
مافيا المستشفيات الخاصة.. المتاجرة بالأرواح
إذا أردت أن ترى الوجه الأكثر قبحاً لهذا الاستغلال، فانظر إلى القطاع الطبي. لقد تحولت العديد من المستشفيات الخاصة إلى مسالخ ومؤسسات للجباية، تجردت من كل معاني الإنسانية ومن قسم "أبقراط".
"يتم وضع المريض على أجهزة التنفس الصناعي وهو متوفى إكلينيكياً، فقط لكي يستمر العداد في تسجيل آلاف الجنيهات يومياً على كاهل أهله المكلومين."
هذه ليست قصصاً من وحي الخيال، بل هي جرائم يومية من ضمن الملفات السوداء المسكوت عنها في مصر. لقد وصلت البشاعة إلى حد تقييم المريض بناءً على مظهره وجنسيته؛ ففي إحدى الوقائع الصارخة، عندما لاحظت إدارة إحدى المستشفيات أن المريض مقتدر عربياً، تم مضاعفة الفاتورة و"تعلية البنديرة" عليه بشكل فج ومفضوح، مما دفعه للهروب والطفش للنجاة بنفسه من فخ هذا الابتزاز الرخيص!
التعليم والعقارات.. جيل يُباع في المزاد
لم يقتصر الأمر على الصحة وحياة الناس، بل امتد إلى العقول والمستقبل. المدارس والكيانات التعليمية أصبحت شركات استثمارية تتاجر بطموح الآباء، تفرض رسوماً تعجيزية وتتعامل مع الطالب كـ "عميل" يجب استنزاف عائلته حتى آخر قطرة. أما قطاع العقارات، فقد ابتلع مدخرات الأجيال، محولاً الحق الطبيعي في السكن إلى حلم مستحيل، وتجارة تحتكرها حيتان لا تشبع من حصد المليارات على حساب حق المواطن في مأوى كريم.
تحذير أخير.. قبل الانفجار
إن المتاجرة بقوت الشعب، وتعليمه، ومرضه، وحياته، هي جريمة مكتملة الأركان وخيانة لمستقبل هذا البلد. لا يمكن لدولة أن تستقر بينما يُعامل شعبها كقطيع في سوق استثماري مفتوح للنهب المنظم.
هذا المقال ليس مجرد صرخة غضب، بل هو تحذير شديد اللهجة: إن الضغط المستمر، وإفقار الشعوب، ومص دمائها لصالح طغمة من المنتفعين المحليين وحلفائهم من الخارج، سيولد غضباً عارماً وانفجاراً لن يستثني أحداً. أوقفوا هذه المهازل، وأنقذوا ما تبقى من كرامة هذا الوطن، قبل أن نكتشف أننا قد بعنا أنفسنا ومستقبل أبنائنا في مزاد علني لا رجعة فيه.
---------------------------------
بقلم: عز الدين الهوارى
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
لماذا ينظر الرجل إلى شفتي المرأة أثناء حديثها إليه؟
إذا كانت فتاة او سيدة قد لاحظت أن الرجل ينظر إلى شفتيها عندما تتحدث معه، فربما تتساءل عن السبب وماذا...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري