سلاح الجغرافيا
في مقالات سابقة، تحدثنا عن عالم يعيد تشكيل تحالفاته، وعن حروب لم تتوقف آثارها على حدود ساحات القتال، بل امتدت إلى الاقتصاد والسياسة وموازين القوة، أيضًا تحدثنا عن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وعن شرق أوسط يتحرك فوق أرض أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى، لنرى تحول الجغرافيا نفسها إلى أداة ضغط وصراع.
فالتصريحات الإيرانية الأخيرة بشأن نطاق السيطرة المرتبط بمضيق هرمز والممتد إلى المياه الواقعة جنوب ميناء الفجيرة الإماراتي، ليضم بنى تحتية نفطية مصممة لتجاوز الممر المائي الإستراتيجي، لم تأتِ في فراغ سياسي، ولا معزولة عن التصعيد الذي تعيشه المنطقة منذ أشهر، فمع ارتفاع حدة التوترات، لا تنحصر المعارك في السماء أو على الأرض، بل تنتقل إلى الممرات البحرية، حيث المصالح الكبرى والاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي، إنه نقطة مرور نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، وأهم المفاصل الجيوسياسية على الخريطة الدولية، لذا فإن أي حديث عن توسيع نطاق السيطرة أو إعادة تعريف النفوذ في محيطه يمكن قراءته باعتباره رسالة تتجاوز المنطقة كلها.
لهذا السبب أثارت التصريحات الإيرانية ردود فعل سريعة، لأن القضية لا تتعلق بخط على الخريطة بقدر ما تتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في شريان اقتصادي عالمي يصل حد الإضرار المباشر به، فحينما تتحول الممرات الحيوية إلى جزء من أدوات الصراع، يصبح العالم كله طرفًا غير مباشر في المعادلة مع الدول المجاورة المعنية.
تتقاطع هذه الأزمة مع ما ناقشناه سابقًا حول التحولات الكبرى في النظام الدولي، فالعالم يتجه نحو إعادة توزيع النفوذ، ويبدو اليوم أن الولايات المتحدة لا تتحرك منفردة كما الحال منذ عقود، فالقوى الإقليمية أصبحت أكثر جرأة في فرض أرائها، لتصعد قوى جديدة بهدوء، ويقل استقرار التحالفات التقليدية، الأمر لا يتعلق بإيران وحدها، ولا بإسرائيل أو الولايات المتحدة فقط، بل بصورة أوسع لمشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية.، وكل تصعيد في المنطقة لم يعد يعامل كحدث محلي؛ بل تحول إلى حلقة جديدة في صراع النفوذ، وشكل العالم القادم.
لعل أخطر ما في الأمر أن نتائج هذه التوترات لا تتوقف عند الدول المتصارعة، فهناك دول تدفع فاتورة أزمات ارتفاع أسعار الطاقة، تضخم واضطراب التجارة، السؤال لم يعد:
من يسيطر على مضيق هرمز؟ بل إلى أي مدى أصبح التحكم في الجغرافيا وسيلة لإعادة رسم خرائط النفوذ؟
في النهاية، يبدو أن حروب العصر لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل بالموقع، والطاقة، والممرات البحرية، وفي عالم تتغير قواعده بسرعة، قد تصبح الجغرافيا نفسها اللاعب الأكثر تأثيرًا في السياسة الدولية.
---------------------------
بقلم: إنچي مطاوع
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري