سحب الهواتف في ديوان محافظة قنا.. بين حماية السرية وإهانة المواطنة
في واقعة غير مسبوقة بمحافظة قنا يوم الأربعاء 15 يوليو، تحول اجتماع إداري روتيني حول تقنين أوضاع الكنائس إلى أزمة رمزية كبرى، بطلب تسليم الهواتف المحمولة من ممثلي الطوائف المسيحية الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية) أدى إلى انسحابهم الجماعي، وترك قاعة الاجتماع خالية من أصحاب الشأن الأساسيين، و استكمال الأجتماع دون حضورهم.
الواقعة تثير سؤالين جوهريين يجب أن نواجههما بصراحة: هل يحق للسلطة التنفيذية فرض إجراءات أمنية جماعية على مواطنين يناقشون حقوقهم الدستورية؟ وهل تبرر التسريبات المزعومة - إن صحت في وقائع في عهد محافظين سابقين، انتهاك مبدأ الثقة العامة والكرامة الإنسانية؟
إن التسريبات مرض إداري يُضعف الدولة ويُشوه عملية اتخاذ القرار، و نعم من حق أي مسؤول تنفيذي أن يحمي سرية المناقشات الحساسة، لكن الدواء لا يجب أن يكون أشد ضرراً من الداء، فيما يخالف الدستور ويصبح أداه تسلط، فإن طلب تسليم الهواتف بهذه الطريقة - وأمام ممثلي مؤسسات دينية رسمية - يحمل طابعاً استفزازياً ويوحي بعدم ثقة مسبقة في المواطنين، وهو ما يتعارض مع روح المواطنة المتساوية التي أكد عليها الدستور، حتي لو تكرر ذلك أو تشابه نفس الموقف مع بعض الشيوخ أو النواب أو الصحفيين، فإن الدستور المصري (المادة 57) يحمي الحقوق والحريات الشخصية، كما أن قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 يضع ضوابط صارمة على معالجة وجمع البيانات. وطلب تسليم أجهزة تحتوي على بيانات شخصية ومهنية حساسة، دون سند قانوني واضح أو إجراءات قضائية، يثير تساؤلات جدية حول التوازن بين الأمن الإداري وحقوق المواطنين، خاصه إذا كانت مصحوبة بلفظ تعليمات عليا، فلم يتم صدور أي منها في محافظه أخري، فهل ديوان عام المحافظة يعاني من شيء دونا عن كافة أنحاء الجمهوريه؟
الأمر لا يتعلق فقط بهواتف، بل يتعلق بثقافة إدارية لا تزال في بعض المحافظات تتعامل مع المكونات الدينية كـ"جهة خارجية" تحتاج إلى رقابة استثنائية، بدلاً من شريك وطني، فهذا النهج يُضعف الثقة ويُغذي الاحتقان، خاصة في ملف حساس مثل تقنين الكنائس الذي شهد تقدماً وطنياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، تستوجب تفسيرًا رسميًا واضحًا، لأن الأصل في دولة القانون أن تكون أي قيود تُفرض على المواطنين مستندة إلى نص قانوني معلن، ليس إلى تعليمات غير معلنة. فالهواتف المحمولة اليوم ليست مجرد وسيلة اتصال، بل تحتوي على بيانات شخصية ووثائق ومراسلات وملفات عمل، ولا يجوز التعامل معها وكأنها متعلقات يمكن تجريد أصحابها منها دون مبرر قانوني واضح.
في الوقت نفسه، العلاج الصحيح ليس تعميم الشك والإجراءات الاستثنائية، بل بناء منظومة عمل مهنية تعتمد على الانضباط والثقة المتبادلة، وتنظيف البيت من الداخل وليس تصدير ازمات للحضور، والمحافظة مطالبة اليوم بفتح تحقيق شفاف في الواقعة، وتوضيح الأساس القانوني لإجراء كهذا، وتقديم ضمانات بعدم تكراره.
إن الدولة التي تؤكد التزامها بسيادة القانون وتعزيز المواطنة مطالبة كذلك بأن تضمن أن تُدار الملفات المدنية بروح القانون، لا بمنطق الاستثناء. فاحترام الخصوصية والكرامة الإنسانية ليس امتيازًا تمنحه جهة إدارية، بل حق دستوري أصيل لا يجوز الانتقاص منه إلا في الحدود التي يرسمها القانون.
وإذا كان ممثلو الكنائس قد رأوا في هذا الإجراء مساسًا بكرامتهم واستقلالهم، فإن انسحابهم يعكس أزمة ثقة ينبغي التعامل معها بالحوار والتوضيح، لا بالصمت. إن الأخطر من الواقعة نفسها هو الرسالة التي قد تصل إلى المجتمع، وهي أن ملفًا يفترض أن يُدار في إطار من الشفافية والتعاون ما زال يحيط به قدر من الحساسية والإجراءات غير المبررة. وهذا لا يخدم جهود الدولة التي أعلنت مرارًا التزامها بإنهاء ملف تقنين الكنائس وترسيخ مبدأ المواطنة.
مصر اليوم بحاجة إلى دولة قانون تُعامل كل مواطن - مسلماً كان أو مسيحياً - بكرامة واحترام، لا إلى إجراءات تُذكرنا بأن الثقة بين المؤسسات والمواطنين لا تزال هشة في بعض الأماكن، ومن هنا، فإن إصدار بيان رسمي يوضح حقيقة ما جرى أصبح ضرورة، ليس دفاعًا عن أي طرف، وإنما احترامًا للرأي العام، وصونًا للثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.
كما أن فتح مراجعة مستقلة لملابسات الواقعة، وبيان الأساس القانوني لأي تعليمات صدرت، سيكون خطوة إيجابية تؤكد أن سيادة القانون هي المرجعية الوحيدة في إدارة الشأن العام.
-------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري