الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 17.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ربّةُ عسقلان بين الخِيام

ربّةُ عسقلان بين الخِيام

كنتُ هناك معهم ومنهم، لكنّي استيقظتُ فوجدتُني هنا بين الخيام المُلفّقة! فمَنْ أنا؟ المرأةُ التي تُخوّض في وَحْل المُجرى، وتطبخ الحجارةَ، وتغسل الجذور، وتنشرُ في الممرّ الضيّق المزدحم، ثوبَها الوحيد؟ أم تلك التي تتراءى لي في صحوي؟ ليس حُلماً ما أرى..هذه أنا! غير أنني أعود من حُلم اليقظة، فأجدني أجلس على حجرٍ طار من جدار، وأرى أحفادي، بأسمالهم الكابية، مع أترابهم المعفّرين يتقاذفون صحون الفراغ، وصوت القصف ينبئ بدمٍ جديد.

ليس حُلماً ما أرى، بل إنني هي؛ تلك المرأةُ الحنطيّةُ، زوج التاجرِ الذي ابتاع بيتَه قرب السوق، وله هوادج وأفراس. وأبي كان حاكم المدينة، ومسؤولاً عن الفرسان، وعمّن يقود المعركة..أنا هي، أنا هي! 

لكنّي أرى الآن عجاجَ الجنود وهم يقتحمون عسقلان، والنار تلتهم كل شيء.. والجلبة والدم والدخان والصراخ والجثث والرّعب والجنون..كأن القيامة قد وقَعَت، وكيف خرج الناسُ من بيوتهم مذعورين، وقد تركوا أشياءهم، وربما أطفالهم! وكأني أرى ذلك السربَ الطويل الذاهب جنوباً ينزح نحو المجهول، هرباً من بَقْر البطون واغتصاب الحارات والبنات.. والمفاتيح تتدلّى من الأحزمةِ، تشير إلى العودة بعد قليل. لكنّي أنتظرُ عودتي منذ سبعٍ وسبعين وأكثر. وقد التهمني الهمُّ، ومات زوجي التاجرُ، وتشظّى أبنائي في السّيرك الوطني، وضاعوا في بحر الدم الكَذِب. إنني، الآن، وحيدة في حمأة المخيم، وتحيط بي المدينةُ المردّمة، كأنني أستلقي على فِراشي، ليلة العيد، وأرقب الصباح لينبلج، لأخرج بثوبي الجديد، وأحثّ خطاي نحو بيت خالتي، ونسرعُ نحو المراجيح، قبل أن يأتي الجنود، ويبيدوا المدينةَ، ويُخْرِجوا أهلها سِرباً من الموتى والنازحين. ولماذا ترجع كل تلك الأيام، الآن؟ كأنني بضفائري أفتتح نهارها بخطواتي الصغيرة الثابتة. أو أُضوّع سطوحها بعبق دم المشمشِ والبرقوق، أو أنشرُ الياسمين على أبوابها ليلةَ التحوّل المصوَّح.. أو أرتعش على رذاذ قُطْنها كزلزالٍ ودودٍ يمرجح النجوم. أو كأنني ألتفت ورائي فأرى الدخان يُرمَّدُ كلّ شيء، وأسيرُ منكسرةً إلى البعيد، أو أنني جُرْمٌ هلاميّ يتلاشى تدريجياً، ويصعد من كوّة الصفيح إلى السماء، لعله يتكوّم غيمةً تسقط بمائها على المدينة المهجورة، أو يصبح نجماً يدور على بيوتها، فيرى آثارَ الداهمين، والدمَ المرشوق الأسود، والهياكلَ المتراكمة تحت التراب؟ أو يصير حفنةً من تراب تعلو، وتمضي إلى فضاء المدينةِ، وتحطّ على بابها، لتحتضن بذرة عبّاد شمس أو شتلة نور تنمو وتنمو وتنمو.. إلى أن تُظلّل المدينةَ من جديد.

أكاد أعدّ عروقَ النعناع على صدر تلك المرأة، وَحَبَّ الرمّان المنفرط على كُمّيْها، وأشمّ رائحةَ القرنفل تحت إبطيْها. هي أنا! الساكنةُ في باب السهل العالي، أصعد على درج الورد، فيلقاني بلباسه الكتّاني، يهبط مبتسماً إلى المدينة، كأنه يومئ بالرضا عمّا أحسَّه من جسدي المتجدّد، وكان يقلّبه كالكمّثرى بين فكّيه ويديه، حتى سال الثعبان إلى الشقِّ المتلهّف لماء الصّلب والترائب. وأكاد أسمع سقوطَ الماء في الجرار والأباريق، والسَّقّاءُ يدلحها من قِرَبه اللّدنة، وَعَرقُه يختلط بالسّلسبيل الرقراق. وأمرّرُ أصابعي على أطراف السرير المفرود، والصندوق ثابت في مكانه الثقيل، يحضن غلالاتي وأحزمتي وأوراق الورد الناشفة. ها أنذا، ألفّ وشاحي المزركش وقت الغروب، والعسلُ يفيض على أبواب الجبال الهادئة، والصغارُ يتلهّون بألعابهم، كأنهم يخربشون صفحةَ السماء بأيديهم الصغيرة، ويتركون للغيم الخفيف لعبةَ البياض من جديد. وها هو الطريق ينعرج تحت ناظريّ، كالنّاي المجوّف والمُثقَّب بفتحاتٍ تُفضي إلى الدكاكين والطرقات الصغيرة. وها هي الساحة والباعة والأصداء والعطور والطيوبُ والمنسوجاتُ والحنّاء واللآلئ والزيوت والبخور والمرّ والبلسم والقار والخزف والتوابل والملح والجواهر والشهدُ والفخاّر والأرجوان..وها هو الليل يعود ساحراً، يشمل كل المدينةِ بِغَبَشِهِ الشفيف الداكن! لقد انتهيتُ من إعداد الطعام، وسكبتُ جرّتين من الماء ورغوة الغار على جسدي، وحزمتُ قبضتين من الحبق والمنثور، وخزنْتهما حتى تطيب الرياح، ليأتي ويأكل، ويشرب العسل، وليسأل قليلاً، وليخلع درّاعته الحرير، وليتمطّى ويغفو على صفحة الناي، ليعود من جديدٍ بأنفاسه التي تُذيب لحمي، وتلهب صدري بتمسيد أسنانه ولسانه، وليزحف على سفح الحليب، ويزرعه بأشجار النار، ويتحسّس منابت الزغب المحصود ومسكب اللّبن الحلو، وليمتصّ آخر جمرةٍ في أطراف قدمي، لتنتفض حواء الأولى، وتبكي في نحيبها الحبيب توقَ الجنّة إلى الجحيم، وتنزلق في هُوَّ الغياب والغفوة، وتصحو، لتجد الأيلَ يرعى على سهوبها، يقضم البندق، ويعبّ الموجة من جديد!

أنا، يا ولدي، امرأةٌ آلهةٌ من فراديس عسقلان، ولدتُ وعشتُ وكنتُ هناك، وتلك امرأةٌ أخرى، لا أعرفها؟ غير أن كوابيس الشيطانِ تلاحقني أحياناً، والوَهْمُ يحاول أن يسرقَ ثوبَ العيد. أعطوني الثوبَ، وَلْتَبعدْ تلك المرأةُ، عنّي.
-----------------------------------
بقلم: المتوكل طه

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:09
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.5°C
توقعات الساعات القادمة
17.5°C
17.3°C
17.3°C
17.4°C
18.4°C
19.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,114ج.م
عيار 21
6,225ج.م
عيار 18
5,336ج.م
الجنيه الذهب
49,800ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...