الخميس، 05 نوفمبر 2026 القاهرة 24.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
خواطر سريعة حول ثورة يناير في ذكراها الثامنة

خواطر سريعة حول ثورة يناير في ذكراها الثامنة

( 1 )

تركت الزوجة المهملة المتسلطة طبيخها خارج الثلاجة فتعفن. جاء الزوج ووضع الإناء فوق الموقد. قام ابنهما برفع الغطاء فانتشرت الرائحة الكريهة في البيت. راح الأب يصرخ في ابنه: ملأت البيت عفنا. هكذا فعل حسني مبارك، صنع عفنا، فلما رفع الشباب الغطاء عنه، راحت الثورة المضادة تتهمهم بأنهم من صنعوه.

( 2 )

كان الأب يبذر ماله بلا حساب، تاركا المرض يرعى في كبد زوجته، والبيت تتشقق جدرانه، ولم يؤِّمن تعليم ابنه. مات الأب فجأة، فأصيبت الزوجة بالسرطان، واضطر الابن لترك المدرسة، ثم انهار البيت. جلس الابن فوق الخرابة وقال: ولا يوم من أيامك يا أبي. هكذا يفعل من يحنون لزمن مبارك، مع أنه أكثر المسؤولين عن خراب البيت، ومع أن زمنه لم يرحل بعد.

( 3 )

ظنت أغلبية الشعب الثورة قد صارت سلطة فناصرتها، فلما تيقنت من أن الثورة لا تزال في الشارع، وتحتاج زمنا آخر من الكفاح الشاق في سبيل القيام بتغيير جذري للنظام الحاكم وليس فقط إطاحة رأسه، انفضت عنها، وهرولت وراء من أمسك بالسلطة، باحثة عن المنفعة السريعة، ففسد كل شيء.

( 4 )

حملت القوى الرجعية والمغرضة عرابي مسؤولية احتلال الإنجليز لمصر، وحين عاد من منفاه وجد صورته قد جرحت بفعل هجاء بعض الساسة، الذين أطلقوا العوام يسبونه ويتهمونه بالخيانة، ويلقون القاذورات عليه وهو خارج من المسجد ذات يوم. تبدلت الأيام، ورد الشعب لعرابي اعتباره، وصار يقال بملء الأفواه: الثورة العرابية. هذا سيجري مع ثورة يناير، بعد أن تجف الأقلام المسمومة، وتخرس الألسنة الضالة.

( 5 )

"إلى الفتى النحيل، الذي كان الجوع يأكله حين مد رأسه أمام صدري، ليأخذ رصاصتي عني، فنجا سابحا في دمه إلى شاطيء الراحة والخلود، وتركني أموت كل لحظة من فرط الدهشة والوحشة واللهفة، وأنا ألملم بعض أحلامه وآلامه المنثورة فوق رؤوس ملايين المحتشدين بالميدان الفسيح، وأرشقها على الورق، محاولا أن أرسم بعض معالم الطريق الذي سلكه بخطى ثابتة، وهو يوزع المسرات بيمناه، ويهش الأوجاع بيسراه".

هذه العبارة تمثل الإهداء الذي جاء في مطلع روايتي "سقوط الصمت" التي قال عنها النقاد إنها أرخت لجانب أو فترة مهمة وأساسية لثورة يناير عبر تتابع مشهدي. وكان المشهد الأخير في هذه الرواية يقول نصا:آ 

"في مدينة تبعد عن ميدان التحرير بألف كيلو متر كاملة، نظر شاب إلى شجرة الثورة التي غرسوها في حديقة وسيعة، ومصمص شفتيه، وتنهد بحرقة، حتى اهتزت أوراقها من لفح الهواء الساخن، ثم قال:

ـ تتساقط أوراق الشجرة تباعا وكأن الخريف قد أتى مبكرا تسوق ريحه الغابرة عصا الخيانة والغدر والشقاق.

وكتب حامد عبد الظاهر في كراسته التي تآكل غلافها: "بيادق تهتز في مكانها من فرط الغضب، لكنها لا تخطو إلى الأمام. أفيال تستعد للانطلاق في الفراغ. طوابي مقيدة بسلاسل غليظة. أحصنة تقفز خارج الرقعة في خطوات غير محسوبة. الوزير فرح بقبض الريح ينتظر من يبتلعه. الملك سادر في سذاجته، يلهج بتسابيح، طلبا لمزيد من الجاه والثروة، لكن لا يسمعها غيره، لأن قلبه مظلم ... ليس العيب في الرقعة، إنما في العقول التي تدبر، والأنامل التي تمتد في هدوء لتقرر مصير القطع الهائمة على وجوهها".

لكن آخر وقف في ميدان التحرير ونظر طويلا إلي الفروع الملفوفة في الحروف، وقال:

ـ تسقط ورقة من شجرة الثورة فتنمو أوراق. يسقط شهيد تحتها فيصير كتيبة من المناضلين. تنكسر موجة فتتدفق موجات. يسقط حلم عابر فتنبت آمال مجنحة. يختطف المستبدون ميدانا فتولد ميادين يقتلون حسن عبد الرافع فيولد لهم ألف حسن جديد".

( 6 )

فارق كبير بين الثوري والإرهابي في حالة بلادنا الراهنة، ولا يمكن للأول أن يقف مع الثاني. فالإرهابي يؤمن بالدم طريقا وحيدا للحل، بينما الثوري يجب أن يؤمن بالمقاومة المدنية السلمية. والأفكار الظلامية في ذهن الإرهابي لا يمكن أن تخدم رغبة الثوري في بناء إنسان حر يحيا في بلد عصري.

( 7 )

في الحرب العالمية الثانية كتب جندي روسي قصيدة يقول فيها:

"لو فقدت عيني اليسرى سأرى باليمنى

ولو فقدت عينيَّ الاثنتين سأسمع بأذني الموسيقى

وإن صمت أذناي سأرى

ولو فقدت يدي اليمنى سأحضن حبيبتي باليسرى

وإن فقدت ساقي اليمنى سأرقص معها على اليسرى

لكن لو فقدت وطني فما عساي أن أفعل؟".

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:03
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.6°C
توقعات الساعات القادمة
24.6°C
23.7°C
22.6°C
21.6°C
20.8°C
20.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,131ج.م
عيار 21
6,240ج.م
عيار 18
5,348ج.م
الجنيه الذهب
49,920ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...