الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 20.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
خواطر | بين الحرب والدبلوماسية والأدب

خواطر | بين الحرب والدبلوماسية والأدب

(1)

نظر إلي صورته المنشورة أكثر من مرة ، قرأ المكتوب تحتها : " فارس السيف والقلم " ، كان آنذاك لا يزال يتزيا بالزي العسكري ، يحمل في جوانحه مخاض وطن كان قد خرج لتوه من معركة العبور ، كانت رائحة البارود والدم لا تزال تملأ أنفه ، لقد حارب ببندقيته رقم 1056، ولا تزال نفس البندقية في عهدته ، ولكنه أضاف إليها اليوم سلاحاً جديداً ، ربما أشد خطورة وأثراً ، لقد أصبح اليوم يمتلك قلماً…

(2)

رفض المواطن أن يجلس ، رغم أن " القنصل " رجاه أن يفعل ، أعتذر الرجل الطيب بأن : " المقامات محفوظة " ، تكهربت أحاسيس القنصل الشاب ، ومع ذلك اجتهد كي يضبط إنفعالاته ، قال بهدوء:

- يا سيدي ، أنا موظف عمومي ، وبالإنجليزية CIVIL SERVANT   ، يعني " خدام مدني " ، والموظف العمومي لا يزرع أرضاً خاصة به ويحصل علي دخله من إنتاجها ، أنا أحصل علي مرتبي من الضرائب المفروضة عليك وعلي غيرك ، يعني أنت الذي تعطيني مرتبي .. أنت صاحب العمل وأنا الأجير …

إلا أن المواطن حاصره بكلمات مثل : " العفو يا بك .. أستغفر الله .. العين لا تعلو علي الحاجب " ، حتي صرخ فيه القنصل آمراً :

- قلت لك أقعد !!

جلس الرجل مغلوباً علي أمره ، غارقاً في خجله وأدبه ، بينما بدأ القنصل يروي له حكاية الجندي مصطفي الحادي ..

(3)

كان يشبهك تماماً .. فلاحاً مثلك .. طيب زيادة عن اللزوم ، مسالم بطريقة تغيظ .. حيرني في التدريب ، فشلت معه أكثر من مرة كي يطبق مركز تلسكوب الآر . بي . جي علي هيكل الخشب والخيش الذي يمثل دبابة ، كانت نتائجه في ميادين التدريب علي الرماية مخيبة للآمال ، كنت أعتبره بين جنودي مجرد "عجلة نايمة " …

في يوم 23 أكتوبر 73 ، أستشهد الجندي مصطفي الحادي ضمن آخرين من جنودي بعد كمين ناجح نصبناه في طريق تقدم الدبابات الإسرائيلية علي المدق 12 … لقد فعلها مصطفي وخيب ظني فيه ، وطوال أيام الحرب لم يخفق مرة واحدة في وضع مركز التلسكوب علي دبابات العدو ، بل أنه في اليوم الأخير وقبل إستشهاده مباشرة إفتدانا جميعاً حين زحف بالآر. بي . جي كي يدمر الدبابة التي كانت تسد علينا طريق الخلاص ..

دمرها .. تلاشي في الإنفجار .. لم نجد ذرة من جسده .. لقد أصبح جزءاً من هواء هذا الوطن الذي نستنشقه .. مجد الوطن وشرفه ..

ما أن انتهي القنصل من روايته ، حتي انتفخت أوداج المواطن ، شمخت هامته ، تبخرت فجأة من عقله كوابيس الخوف من العسكري والحكومة ، بدأ يطالب بحقوقه لدي القنصل بصوت أكثر ثقة وجرأة.. إبتسم القنصل سعيداً ، كأنه أستعاد الجندي مصطفي الحادي إلي الحياة ..

(4)

وصفته بعض المقالات أنه : " الأديب المقاتل " ، وظل يحمل هذا اللقب حتي تغير إلي " الأديب الدبلوماسي " ، لكنه في الحالتين كان يكتب بنفس القلم ويستخدم نفس الأبجدية ، رفض نصائح العديدين من الفاهمين الذين أشاروا عليه بالإلتصاق بشلة أو الإقتراب من أسماء بعينها لضمان توهج أسمه وكلماته التي يكتبها ، كان يقول لناصحيه :

- لن أتسول بكلماتي .. لقد عرفت الموت في ميادين القتال ، ودفنت بيدي أغلي الرجال .. أربأ بكلماتي أن تتزلف أو تنافق ..

شاء الله أن أخرج من الحرب حياً ، لكنني واعدت رجالي الذين واريتهم الرمال أن أواصل النضال .. الشهرة ليست ميدان نضال .. لقد استشهد مصطفي الحادي دون أن يطلب نيشاناً أو كتابة أسمه بالنيون .. لقد أطلق طلقته ومضي ، وأنا أيضاً سأكتب كلمتي وأمضي …

(5)

علي موائد المفاوضات ، وفي مواقف مختلفة ، كان صلباً شديد المراس .. يتذكر لحظة عجيبة ظهر السادس من أكتوبر عام 1993 .. في مؤتمر عقد بروما ..

نفس اللحظة التي توافق ذكري مرور عشرين عاماً علي العبور .. نعم في نفس اللحظة كان قد تمكن من إحراز تعديل في إحدي مواد إتفاقية لإعادة الآثار المسروقة إلي مصر ..

لقد تنبه للمصادفة فيما بعد ، وحين مشي بين المسلات المصرية المتناثرة في شوارع روما ، كان يبتسم سعيداً ، فخوراً بأنه لا يزال بنفس الحماس ، رغم أن الذي عبر القناة كان إبن عشرين عاماً ، أما الذي يتفاوض لإعادة التاريخ إلي نصابه أصبح إبن أربعين عاماً .. لقد أستبدل الرصاص بالكلمات ، بالعلم القانوني ، فهو يدرك جيداً أن السلاح ليس بإمكانياته وإنما بالرجل الذي يقف خلف هذا السلاح .. هكذا تعلم في أكتوبر 73 …
----------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:39
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.9°C
توقعات الساعات القادمة
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
24.1°C
24.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...