حين يُعاقَب الإنسان مرتين
في عالم يُفترض أن يكون الطب فيه ملاذًا للشفاء، تحوّلت حياة دايفيد رايمر إلى ساحة انتهاك صريح لحق أساسي من حقوق الإنسان: الحق في أن يعيش حياة طبيعية دون إكراه أو وصاية قسرية، لم يكن دايفيد رايمر مختلفًا عن أي طفل حين وُلد عام 1965 في كندا، الاختلاف الوحيد أنه تعرّض، وهو رضيع، لخطأ طبي دمّر أمله في الرجولة بسبب عملية ختان، المصاب جسيم، وعلاجه بات مستحيلا، المأساة الحقيقية عدم تقبل ما حدث، أُصدر حكماً بالإعدام النفسي والاجتماعي، قُرر أن هذا الطفل لا يملك حق تقرير مصيره، وعلى والديه وطبيبة اختيار الأصح له وتعويده عليه، بدلًا من التعامل مع الإصابة بوصفها عجزًا طبيًا يحتاج دعمًا إنسانيًا طويل الأمد، جرى التعامل معها كـ"مشكلة يجب إصلاحها بأي ثمن لإخفائها أبد الدهر".
أقنع عالم النفس جون موني والدي الطفل بأن الحل هو إعادة تشكيل هويه الطفل بالكامل، لا علاج جرحه فقط، هكذا، لم يُترك دايفيد ليعيش مصابة وإعادة تأهيله لتقبل مأساته، بل أُجبر على أن يدفع ثمن خطأ الآخرين مرتين: واحدة بجسده، وأخرى بحياته، انتهاك صريح لكرامته باستخدامه وسيلة إثبات نظرية علمية محددة، انتهاك لهويته بفرض أخرى عليه ليست طبيعته، انتهاك لحقه في معاملة إنسانية كما تكفله جميع المواثيق الدولية، والأخطر أن المجتمع المحيط شارك، ولو بالصمت، في إكراهه على هذه الحياة، فبدلاً من أن يُنظر إلى الطفل كضحية حادث، نُظر إليه كمشروع يجب "تصحيحه"، وكأن الإعاقة أو الإصابة تسلب الإنسان حقه في أن يكون كما هو، أو أن يقرر كيف يعيش.
علم دايفيد بالحقيقة في سن الرابعة عشرة، حاول استعادة هويته الجندرية، اختار اسمه، اختار جسده بقدر ما استطاع، واختار أن يعيش كرجل كما خلقه الله، تزوج؛ لكن الحقوق التي تُنتهك في الطفولة لا تُستعاد بسهولة في الكبر، فالسنوات التي عاشها تحت الإكراه تركت جراحًا أعمق من أي جراحة، ليعاني من مأسي متتالية لينهي حياته بالانتحار عام 2004.
السؤال الأن هل انتهت قضيته؟
هل حقاً ما حدث كان جراء خطأ طبي أم تجربة متعمدة من طبيب أخضع الطفل ووالديه بالإكراه تحت وطأة الأمر الواقع؟
ووسط الجنون الذي نعيشه الأن؛ هل يملك المجتمع أو الطب أو الأسرة الحق في إعادة تشكيل إنسان قسرًا بحجة "مصلحته"؟
الهدف من هذا المقال أن نتذكر جميعا أن المصاب ليس مذنبًا، وأن الإعاقة أو الحادث لا يبرران سلب الإنسان حقه في حياة طبيعية، ولا تحويله إلى موضوع حكم أو تصحيح أو إعادة هندسة، العدالة الحقيقية لا تبدأ بمحاولة تغيير الإنسان، بل بتمكينه من أن يعيش كما هو، وأن يُمنح الوقت، والدعم، والحرية ليختار بنفسه، طالما لا يشكل خطر وضرراً على غيرة، ولنضع نصب أعينناً بأن دايفيد رايمر كمثال عن كثيرين غيره تعرضوا لإصابات أو إعاقة دون ذنب أو جريرة، لم يمت لأنه وُلد مختلفًا، بل لأنه حُرم من حقه في أن يكون إنسانًا كامل الإرادة لأسباب خارجة عن إرادته، وبدلا من عقاب الجاني عوقب هو، الأمر غير مقتصر على مثل هذه الحالات فكثيراً ما نرى المظلوم معاقبا والظالم حرا طليقا يعيث فساداً فيما حوله.
-------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية
شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري