الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 23.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ثمن الأمان

ثمن الأمان

اعتادت الحكومات عبر عقود طويلة تبرير استضافة القواعد العسكرية الأجنبية باعتبارها جزءًا من منظومة الحماية والأمن القومي، الرسالة واضحة:

وجود القواعد هو ردع للتهديدات الخارجية، تعزيز للاستقرار، وتوفير مظلة دفاعية للدول الحليفة.

لكن..

الحروب الحديثة فرضت اليوم أسئلة جديدة لم تطرح بالحدة نفسها سابقاً، فمع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، لا تقتصر المخاطر الأن على الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف مواقع بعينها، بل امتدت إلى أنظمة الدفاع نفسها، فكل عملية اعتراض، وكل مواجهة في السماء، تحمل خطرا آخر غالبًا ما يغيب عن الخطاب السياسي والإعلامي:

ماذا يحدث إذا أخطأت المنظومات الدفاعية؟ وماذا لو سقطت بقايا الصواريخ أو الاعتراضات فوق مناطق مدنية؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل جزءًا من واقع تعيشه شعوب المنطقة العربية ممن تملك قواعد عسكرية لدول أجنبية على أراضيها، كلما اتسعت رقعة الصراع، اقترب الخطر من المدن والمطارات والمنشآت المدنية، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في القتال، ليجد المواطن نفسه محاصرًا بين طرفين متصارعين، وهو بلا ناقة أو جمل في الأمر، ولا يملك أي قدرة على التأثير في القرارات التي وضعت بلاده داخل دائرة الخطر.

المفارقة أن القواعد العسكرية التي أُنشئت أساسًا لتوفير الحماية قد تتحول، في نظر بعض المواطنين، إلى غول مرعب، فحين تُستهدف هذه القواعد أو تتحول إلى نقاط اشتباك، تصبح المناطق المحيطة بها أكثر عرضة للمخاطر والتهديدات، حتى لو لم تكن الدولة المضيفة طرفًا مباشرًا في النزاع.

لا يقتصر الأمر على الخطر الأمني وحده، فوجود التوتر العسكري المستمر ينعكس على الاقتصاد والاستثمار والسياحة وحركة النقل والتجارة، وكلما ارتفعت حدة المواجهات، زادت كلفة القلق التي تدفعها المجتمعات المحلية، سواء في صورة خسائر مباشرة أو تراجع في فرص التنمية والاستقرار.

الأخطر من ذلك المدنيون وهم الحلقة الأضعف، فالسياسيون يتفاوضون، والعسكريون يخططون، والقوى الكبرى تتبادل الرسائل الاستراتيجية، بينما يبقى المواطن العادي هو من يتحمل النتائج على الأرض، هو من يخشى على منزله وأسرته ومصدر رزقه، وهو من يدفع ثمن قرارات لم يشارك في اتخاذها.

لهذا فالسؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بقدرة القواعد العسكرية على ردع الخصوم، وبقدرتها على حماية المجتمعات التي تستضيفها، فالحماية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصواريخ الاعتراضية أو حجم الترسانات العسكرية، بل بمدى شعور الناس بالأمان في حياتهم اليومية.

في النهاية، قد تكون القواعد العسكرية عنصرًا مهمًا في حسابات الدول الاستراتيجية، لكن أي منظومة أمنية تفقد معناها إذا تحولت حياة المدنيين إلى ثمن دائم للصراعات، وفي عالم تزداد فيه الحروب تعقيدًا، ربما حان الوقت لإعادة طرح السؤال الأهم:

هل ما زالت مفاهيم الحماية التقليدية قادرة على حماية الناس فعلًا، أم أن المنطقة تحتاج إلى مقاربة جديدة للأمن، يكون الإنسان فيها هو الأولوية الحقيقية؟
------------------------------
بقلم: إنچي مطاوع

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة02:38
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
23.6°C
توقعات الساعات القادمة
23.6°C
25.6°C
27.3°C
27.9°C
28.4°C
28.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,280ج.م
عيار 21
6,370ج.م
عيار 18
5,460ج.م
الجنيه الذهب
50,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...