الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 24.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي

بَلْ افخرى يا مريم

انزعجَت مريم صُغرى أبنائى عندما أخبرتْها زميلاتُها أن أحد الكائنات تطاوَلَ فى إحدى قاعات المحاكم واتّهم حركة كفاية بأنها قبضت ثمن اشتراكها فى المؤامرة الكونية ضد النظام العفيف الشريف النظيف اللطيف الذى كان جاثماً على مصر قبل يناير 2011.

يعتز أبنائى (ومن بينهم مريم) بأن أباهم لم يترك لهم إرثاً إلا سمعةً طيبةً .. أساسُها انتماؤه إلى أنبل وأشرف حركات المقاومة وأكثر مبتكرات المصريين عبقريةً فى التاريخ الحديث .. الحركة المصرية من أجل التغيير ..  الشهيرة بحركة كفاية .. لكن يبدو أن السَفَلَة يستكثرون علينا حتى هذا الاعتزاز.

يا ابنتى .. عندما كان هذا المتطاول يتقاضى ثمن دفاعه عن الجواسيس والشواذ والقَتَلة، كان أبوك وأعمامك فى حركة كفاية يدفعون من أعمارهم وسمعتهم ومناصبهم وأرزاقهم (ولا يزالون) ثمن وقوفهم فى وجه رأس نظام الاستبداد والفساد الذى جرّف الوطن وحاول أن يُقزّمه ليكون على مقاس ابنه.

كان كلٌ منهم مستقراً فى حياته، وبعضُهم أعلامٌ فى مجالاتهم .. وعندما طَفَح الكيل وظهر الفساد فى البر والبحر والجو وبدا واضحاً أن رأس النظام مُصّرٌ على الاستمرار فى حُكمه المزوّر حتى آخر نَفَسٍ فى صدره ثم يُورّثه لابنه محدود الكفاءة والموهبة .. كان يمكنهم أن يكتفوا بمقاومة هذه الإهانة وهذا الفساد والاستبداد بقلوبهم وهو أضعف الإيمان .. لكنهم أَبَواْ أن يكتفوا بمصمصة الشفاه .. فخلَعوا أرديتهم وانتماءاتهم السياسية ولم يتدثروا إلا برداء الوطن .. وشكّلوا هذه الحركة النبيلة .. وفاجأوا مصر والعالم بهتافهم المدوّى .. لا للتمديد .. لا للتوريث .. وظلوا سنواتٍ يقفون بأعدادهم القليلة على سلّم نقابة الصحفيين، كفرض كفايةٍ عن ملايين المصريين .. كانوا ينوبون عن شعبٍ بأكمله .. ووصَل الأمر أحياناً لأن يقف محمد عبد القدوس وحيداً حاملاً ميكروفونه فى يدٍ وعَلَمَ مصر فى اليد الأخرى .. كان كلٌ منهم على ثغرٍ من ثغور الوطن يذود عنه .. وكان الثغر الذى تشرّف أبوكِ مع آخرين بالذود عنه هو جبهة المال العام الذى تَداعَى عليه الأَكَلةُ من مصاصى الدماء.

فى البداية تعامل المصريون مع هذه الثُلّة المجاهدة بالدهشة .. ثم تحولت الدهشة إلى إشفاق .. وتحوّل الإشفاقُ إلى إعجاب .. ثم تضامن .. ثم انضمام .. ثم احتضنتهم مصرُ وذابوا بين الملايين التى نزلت إلى الميادين لتخلع الطاغية.

يا مريم .. تعلمين ويعلم المصريون أن قامات كفاية من أمثال عبد الجليل مصطفى ومحمد أبو الغار وجورج إسحق وأحمد بهاء الدين شعبان وغيرهم ممن تضيق المساحة بحصرهم .. هم من النوع الذى يُعطى ولا يأخذ .. مِثلُهم لا يقبض وإنما يدفع الثمن راضياً مرضياً .. دَفَعَه أحد منسقى حركة كفاية .. العالم الوطنى الجليل الدكتور عبد الوهاب المسيرى عندما اختُطف من ميدان السيدة زينب وهو فى السبعين من عمره مريضاً بالسرطان، وأُلقى فى الصحراء مع زوجته العالمة الجليلة الدكتورة هدى حجازى فى برد يناير فأُصيب بالتهابٍ رئوىٍ شديدٍ ومات بعد ذلك بستة شهور ..

ودَفَعَه منسقٌ آخر لهذه الحركة النبيلة .. الصحفى الوطنى الدكتور عبد الحليم قنديل الذى ضُرِب ضرباً مُبّرحاً ثم تم تجريده من ملابسه وتُرِك فى منطقةٍ نائيةٍ فى ليلةٍ قارسة البرودة مع تحذيرٍ له بألا ينتقد مظاهر التوريث مرةً أخرى.

أما الثمن الذى دفعه أبوكِ فأنتِ أدرى به .. غير أن شهرة أبيكِ وزملائه جنبّتهم أثماناً أغلى، دفَعَها المئاتُ من شباب كفاية ومجهوليها دون أن يشعر بهم أحد.

هوّنى عليك يا ابنتى فالأمر لا يدعو للانزعاج .. تكفى نظرةٌ واحدةٌ إلى مبارك والذين يدافعون عنه من الإعلاميين والمحامين والصحفيين .. ستجدينه يُشبههم وهم يشبهونه .. ويلخصون عصراً كاملاً .. مجرد رؤيتهم تُثبت أننا كنا على الحق.

يا ابنتى .. بعد عشرين عاماً من المقاومة غير المتكافئة من البطل عمر المختار وصحبه للاحتلال الإيطالى .. وبعد أن خان من خان، وباع من باع،وأطبق المحتلون على الثُلّة القليلة المتبقية .. سأله أحدُ الصامدين معه (لماذا نستمر فى المقاومة واحتمالاتُ النصر منعدمة؟)،فأجابه البطل الثمانينى (لكى يفخر أحفادنا ويقولوا  عن هذه الفترة: كان هناك رجال).

لا تجزعى يا بُنيّتى مِن هذا التطاولِ مدفوعِ الثمن الذى ينفجر فى وجوهنا ويظن أنه يستطيع إعادة كتابة التاريخ على هواه .. سيذهب أبوك وزملاؤه إلى دار الحق .. وسيذهب مبارك وأعوانه ومحاموه وإعلاميوه ومذيعاته وفضائياته واستوديوهاته التحليلية وكل هذا الغثاء .. وسيذهب العجوز المتطاول ويَبلَى الروب الذى يرتديه والنقود التى يتقاضاها .. وستجلسين إلى أحفادك ذات يومٍ يسألونكِ بعد أن قرأوا بتجردٍ، كيف تجرّأ هذا النظام الفاسد المستبد على مصر فى هذه الفترة المخصومة من عمر الوطن وسعى للتوريث دون أدنى اعتبارٍ للشعب، ألم يكن هناك من يقاوم؟ .. عندها ستتذكرين أباك وزملاءه وتذرفين دمعةً وتترحمين عليهم .. ثم تتسع ابتسامتك وتقولين لأحفادك بفخرٍ ( لا .. لقد كان هناك رجال).

 (مقال قديمٌ لأبى مريم نشَرَه فى الأهرام منذ أربع سنواتٍ قبل أن يُحظر - مع مصر كلها- وقبل أن يشتبك بَعضُنَا فى معارك جانبيةٍ صغيرةٍ .. وقبل أن يعود مبارك للحكم بصورةٍ أكثر فداحةً .. وأعيدُ نشره اليوم فى ذكرى انطلاق أول مظاهرة للحركة المصرية من أجل التغيير / كفاية الساعة 12 يوم 12/12/ 2004 .. لنتذكر جميعاً لا سيما الشباب أن مصر قادرةٌ دائماً على الابتكار والمقاومة .. كل عامٍ ومصر طيبة .. ولها المجد).

-------------------------
بقلم: يحيى حسين عبد الهادى

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:11
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
24.3°C
توقعات الساعات القادمة
24.3°C
23.5°C
22.6°C
21.9°C
21.2°C
20.7°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,274ج.م
عيار 21
6,365ج.م
عيار 18
5,456ج.م
الجنيه الذهب
50,920ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...