الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 29.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
انتباه | من دولة الحاكم إلى دولة المواطن

انتباه | من دولة الحاكم إلى دولة المواطن

لم يكن تاريخ مصر الحديث مجرد تعاقب حكّام، بقدر ما كان مسارًا طويلًا لسؤال لم يُحسم بعد: لمن تكون الدولة؟
هل هي دولة تُبنى حول الحاكم، وتُدار بإرادته، وتُقاس قوتها بسطوته؟ أم دولة يكون المواطن فيها هو السيد، وأصل الشرعية وغايتها، وهدفها الأسمى خدمة الإنسان، ويستمد حكامها شرعيتهم من رضاه ومشاركته في القرار؟

منذ أن تولى محمد علي باشا الحكم، تشكّلت الدولة المصرية الحديثة على قاعدة مركزية صارمة. كانت دولة قوية، ذات جيش ومؤسسات، ومشروع طموح، لكنها لم تكن دولة مواطنين بقدر ما كانت دولة مشروع يقوده الحاكم. 

ورغم الإنجاز التأسيسي الضخم، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع وُضعت منذ البداية على قاعدة الطاعة لا المشاركة، وعلى فكرة أن البناء يسبق الحرية، وأن الاستقرار يعلو على العدالة.

تعاقبت الأجيال وتبدّلت الأسماء، لكن البنية الأساسية ظلت على حالها. ففي عهد إسماعيل تضخّم الحلم، واتسعت الدولة شكلًا، لكنها ارتهنت للخارج. ثم دخلت في طور أكثر خطورة مع الخديوي توفيق، حين انكشفت هشاشة السيادة، وفُضِّل الاحتماء بالقوى الأجنبية على التفاهم مع الداخل، فانحنت الدولة لإملاءات الخارج، واشتدت في مواجهة الحركة الوطنية. وكانت تلك لحظة مفصلية ترسّخ فيها نمط سياسي بالغ الخطورة: الشعف أمام الخارج، والعنف مع الداخل، وهو النمط الذي سيعود بأشكال مختلفة لاحقًا.

غير أن التاريخ لم يكن خطًا واحدًا من الانكسار. جاءت ثورة 1919 لتشكّل أول محاولة حقيقية لبناء دولة المواطن في مصر الحديثة. خرج المصريون، بمسلميهم وأقباطهم، رجالًا ونساءً، مطالبين بدولة تمثلهم، لا تُدار باسمهم فقط. ولأول مرة، بدا أن فكرة الأمة سبقت الحاكم، وأن الشرعية يمكن أن تنبع من الشارع لا من القصر.

لكن هذه اللحظة، رغم عظمتها، أُجهضت بفعل التحالف بين القصر الملكي والسفارة البريطانية. فالدولة الملكية الدستورية التي نشأت بعدها ظلت منقوصة السيادة، مقيّدة بالاحتلال، ومكبّلة بصراع القصر والأحزاب، فلم تتجذر دولة المواطن بما يكفي لتحمي نفسها من الارتداد.

بعد ثورة يوليو 1952 عاد السؤال من جديد، لكن بصيغة مختلفة. تصاعد الأمل في أن تُعاد صياغة الدولة على أسس جديدة. جاء جمال عبد الناصر بمشروع اجتماعي واسع، منحاز للفقراء، وساعٍ إلى العدالة الاجتماعية والتحرر والاستقلال الوطني. 

ولأول مرة في التاريخ، اقتربت الجمهورية الناشئة ـ لا نظريًا بل فعليًا ـ من حلم أن تكون دولة المواطنين: تعليم مجاني، وتظلم صحي شامل، وصعود اجتماعي، مع اتساع الطبقة الوسطى في ظل إحساس جارف بالكرامة الوطنية.

غير أن هذا الاقتراب من الحلم لم يكتمل؛ إذ لم تتجذر دولة المواطن مؤسسيًا، ولم تُحمَ بدستور راسخ، ولا بتعددية سياسية، ولا باستقلال حقيقي للقانون. بقيت الدولة مرتبطة بشخص الزعيم ومشروعه، لا بالمجتمع نفسه، وحين غاب الزعيم تراجع الحلم سريعًا، لأنه لم يتحول إلى بنية قادرة على التطور والاستمرار.

ومع السادات تغيّرت الاتجاهات وتبدّلت السياسات واختلف الخطاب، لكن جوهر الدولة لم يتغير: السلطة ما زالت متمركزة، والشرعية تُدار من أعلى. وانتكست فكرة دولة المواطن، وتوارَت لصالح دولة الاستقرار وإدارة التوازنات.

وفي عهد مبارك تحولت الدولة إلى جهاز إداري ضخم، بلا رؤية ولا حلم، يُدير الاستقرار أكثر مما يقود التقدم. وحين اندلعت ثورة يناير 2011، بدا وكأن الفرصة التاريخية قد حانت أخيرًا للانتقال إلى دولة المواطن. طالب الناس بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، لكن الانقسام والخوف وضعف البنية السياسية سمح بعودة الدولة القديمة بأدوات جديدة.

جاء عبد الفتاح السيسي في لحظة شعور عميق بتهديد الدولة، ورحبت به قوى مدنية واسعة، تمامًا كما رحبت الحركة الوطنية بتوفيق في بدايات حكمه، أملًا في إنقاذ الدولة لا تكريس السلطوية. لكن التاريخ كرر نفسه؛ فمع تصاعد التحديات الداخلية طغى منطق السيطرة على منطق المشاركة، وقُدّمت الدولة بوصفها كيانًا يجب حمايته من شعبه، لا عقدًا يُعاد بناؤه معه. 

ضاقت مساحات السياسة، وتراجعت الوعود، وسقطت الأحلام التي عُلِّقت على لحظة الخلاص، وتبدّد الأمل في انتقال حقيقي نحو دولة المواطن.

وهكذا يتكرر المشهد عبر قرنين: لحظات يقترب فيها الحلم لكنه لا يتجذر، وفرص تاريخية تُفتح لكنها لا تُحمى، ودولة يُعاد تشكيلها دائمًا حول الحاكم لا حول المواطن.

إن الخروج من هذا المسار لا يكون بتغيير الأشخاص، ولا بالرهان على الزعيم المنقذ، بل بإعادة بناء الدولة من أساسها: دولة القانون لا الوساطة، ودولة العدالة لا السطوة، ودولة المواطنة لا الرعية. وما لم يتحقق هذا التحول البنيوي، سيظل التاريخ يعيد نفسه، وستقع النخب في الأخطاء ذاتها، وسيبقى الانتقال من دولة الحاكم إلى دولة المواطن وعدًا مؤجلًا، مهما تبدلت الأسماء والوجوه.

إن أخطر ما في دولة الحاكم ليس قسوتها فحسب، بل قدرتها الدائمة على إعادة إنتاج نفسها، حتى بعد الثورات والانكسارات. فهي تتغذى على الخوف، وتستند إلى الحاجة للأمن، وتُغري النخب بوهم الاستقرار، ثم تُقصيهم حين يستتب الأمر. وفي كل مرة يُطلب من المجتمع تأجيل الحرية باسم الضرورة، دون أن تأتي لحظة الوفاء.

أما دولة المواطن، فليست وعدًا رومانسيًا ولا حلمًا طوباويًا، بل مشروعًا شاقًا، بطيئًا، ومكلفًا. إنها دولة تُبنى بالصبر لا بالمراسيم، وبالحقوق لا بالهبات، وبالواجبات المتبادلة لا بالطاعة العمياء. وهي لا تحتاج إلى زعيم ملهم بقدر ما تحتاج إلى قانون عادل، ومؤسسات مستقلة، ومجتمع يؤمن أن الدولة ملك له لا عليه.

تأجلت ولادة دولة المواطن في مصر، لكنها لم تُجهض بعد. تظهر في لحظات الوعي الجمعي، وتختفي حين يُعاد إنتاج الخوف. والسؤال الذي يطرحه التاريخ ـ لا على الحكّام وحدهم بل على المجتمع كله ـ هو:

هل سنظل ننتظر الدولة من أعلى، أم سنبنيها من القاعدة؟ 

وهل نطلب الخلاص في الشخص، أم نبحث عنه في النظام؟

حين يُجاب عن هذا بالفعل لا بالقول، عندها فقط يمكن للتاريخ أن يتوقف عن تكرار نفسه.
-------------------------------
بقلم: محمد حماد 

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:26
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
29.5°C
توقعات الساعات القادمة
29.5°C
29.2°C
28.5°C
27.5°C
26.5°C
25.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,977ج.م
عيار 21
6,105ج.م
عيار 18
5,233ج.م
الجنيه الذهب
48,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...