الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 القاهرة 19°C
رئيس التحرير مجدي شندي
الصهيونية ترويها دماء العرب !

الصهيونية ترويها دماء العرب !

 السياسة العدوانية لإسرائيل تجد جذورها في نشأة إسرائيل نفسها ، ورؤيتها لأهمية هذه السياسة ، وقد كشفت مذكرات موشيه شاريت التي تم نشرها رغم معارضة حكومة إسرائيل عن مواقف ومناورات بدت وقتها غامضة غير مفهومة ، ولعل من أهمها تلك الوثائق المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي ، وإبراز ماجاء في تلك الوثائق للرأي العام يكتسب أهمية كبري ، ليس من الزاوية التاريخية فحسب ، وإنما لمحاولة فهم منهج الآخر في التفكير والتخطيط ، لأن الفكر والسلوك في أغلبه يعتبر مكتسبات ميراثية ، تنتقل من جيل إلي جيل بحيث لا يطرأ عليها التغيير - إن حدث - إلا بتحول تاريخي جذري يهدم أسس هذا الفكر ، ويقوض أعمدة هذا التفكير .

صدرت " يوميات موشي شاريت " عام 1979 باللغة العبرية ، وقاومت إسرائيل بكافة الوسائل ترجمة هذا الكتاب باللغة الإنجليزية ، لدرجة أنها دفعت أسرة شاريت لمقاضاة الذين حاولوا ذلك ، وقامت بحصار الكتاب لمنع تسربه بكافة الوسائل والطرق .

لقد كان موشي شاريت مديراً للإدارة السياسية للوكالة اليهودية في الفترة من 1933 إلي 1948 ، ثم أصبح أول وزير لخارجية إسرائيل في الفترة من 1948 إلي 1956 ، كما تولي منصب رئيس الوزراء عند إعتكاف بن جوريون في صحراء النقب في الفترة من 1954 إلي 1955 .

وتجدر الإشارة  إلي أن موشيه شاريت ولد عام 1894 في روسيا ، وكان والده من الموالين للحركة الصهيونية ، فهاجر بالأسرة إلي فلسطين عام 1906 ، حيث أستقروا في قرية عربية " عين سنيه " بالقرب من نابلس ، ولقد وصف موشيه تلك السنوات التي عاشها في تلك القرية بأنها أسعد سنوات حياته رغم أنها لم تتجاوز عامين ، حيث إئتلف مع سكانها وتعلم اللغة العربية ، ثم أنتقلت الأسرة عام 1908 للإستقرار في تل أبيب ، وفي بداية الحرب العالمية الأولي تم تجنيد موشيه في الجيش العثماني ، وبعد الحرب تخرج من مدرسة الإقتصاد في لندن ، وبعد ذلك بدأ نشاطه في التنظيم الصهيوني العمالي حيث كان أحد مؤسسي حزب العمال في ارض إسرائيل ( ماباي ) ، كما تولي منصب رئيس تحرير صحيفة دافار ، ثم تم تعيينه نائب مدير الإدارة السياسية للوكالة اليهودية ، ثم مديرها عام 1933 ، وكان رئيس الوكالة آنذاك هو ديفيد بن جوريون ، ثم تولي منصب وزير خارجية إسرائيل ورئيساً للوزراء لمدة عامين قبل إقصائه في يونيو 1956 ، ثم توفي عام 1965 .

وتشتمل يومياته علي حوالي 2400 صفحة تم توزيعها علي 8 مجلدات وتغطي الفترة من أكتوبر 1953 إلي نوفمبر 1956 ، حيث دون فيها مذكرات يومية تناولت كل شئ عام وخاص في حياته ، ولم تكن مدونة للنشر ولذلك يكتسب ما جاء فيها مصداقية عالية ، ولقد تعرض أبنه يعقوب لضغوط هائلة للحيلولة دون نشرها أو علي الأقل حذف بعض ما جاء فيها ، إلا أنه لم يستجب لهذه الضغوط وقام بنشرها بالفعل .

تبدأ هذه اليوميات في 9 أكتوبر 1953 ، في الفترة التي كان رئيس الوزراء بن جوريون قد أعلن عن نيته الإعتزال بحيث أصبح المرشح لخلافته هو موشيه شاريت ، وقد توجه بن جوريون للعيش في صحراء النقب بما بدا حينذاك وكأنه خلوة روحانية ، كدافع للآخرين لمواصلة النشاط في بناء المستوطنات ، والحقيقة أنه بينما كانت الدولة تنفق بسخاء لإعداد كوخ له في النقب بكل ما يتطلبه من وسائل إتصال وأمن وخلافه ، فأن الرجل كان يعرف ، بل وقال لبعض معاونيه أنه سيعود بعد عامين من هذه " الخلوة " ، فقد كانت هناك حملة تم إعدادها بمهارة لإستغلال هذه الخطوة المعنوية لرئيس الوزراء .

كان لابد من تأمين الدعم الإقتصادي والعسكري من الغرب ، وفي نفس الوقت منع أي تقارب بين العرب والغرب بأي وسيلة ممكنة ، ومن ضمن هذه الوسائل إثبات أن إسرائيل هي أفضل رهان عسكري للغرب في المنطقة ، دون إثارة أي شبهات حول نوايا إسرائيل التوسعية في الوقت الحالي حيث لم يتم التمهيد لها بعد .

 إنتهكت إسرائيل أمن كل الدول المجاورة ، بل وبررت بعض التصرفات غير الإنسانية وغير الأخلاقية تجاه دول وشعوب تلك الدول ، وقد وجدت آذاناً صاغية وألسنة حاضرة تدافع عن إنتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الإنسان بحجة " أمن إسرائيل " ، ولا زالت نفس الحجة تقدم بجرأة غريبة علي موائد المفاوضات مع الدول العربية التي تسعي إلي تحقيق السلام والإستقرار بل وتسعي إلي تحقيق " الأمن " الذي أنتهكته إسرائيل مرة ومرات متعمدة - كما سنري - كي تحقق أهدافها التوسعية في المنطقة كما سيشرح لنا ذلك أول وزراء خارجيتها : موشي شاريت .

أن سياسة إسرائيل خلال الفترة التي تغطيها يوميات شاريت ، كانت تهدف بشكل أساسي إلي القيام بأعمال تعرضية لإثارة جيرانها العرب لضمان إستمرار حالة العداء والتوتر بما يوفر لها المبرر اللازم لعمل عسكري مسلح تحصل به علي مزيد من الأراضي . وقد أطلق شاريت علي هذه السياسة إسم " الإرهاب المقدس " ( Sacred Terrorism ) ، وأوضح بشكل جلي أسطورة " إحتياجات إسرائيل الأمنية " ، وما يسمي " التهديد العربي " .

تكشف اليوميات أن المؤسسة السياسية العسكرية الإسرائيلية لم تعتقد أبداً أن العرب يهددون وجودها ، بل علي العكس كانت تلك المؤسسة تعمل علي زيادة المشاكل للأنظمة العربية بعد حرب 1948 ، فلقد كانت تلك الأنظمة تتفادي بقدر الإمكان الإشتباك المسلح مع إسرائيل ، إلا أنها في نفس الوقت ولكي تحافظ علي إستمرارها فقد كان عليها أن تثبت أمام الرأي العام العربي أنها مستعدة للرد علي السياسات العدوانية لإسرائيل ، وبمعني آخر فأن ما يسمي التهديد العربي لم يكن سوي " إختراع إسرائيلي " لم تستطع الإنظمة العربية لأسباب داخلية أن تنكره رغم أنها كانت تخشي من القدرة العسكرية الإسرائيلية .

وكانت إسرائيل - طبقاً لليوميات - تسعي إلي دفع الدول العربية إلي مواجهات عسكرية ، بهدف إكتساب المزيد من الأراضي ، وتحويل إسرائيل إلي دولة عظمي في المنطقة ، ولتحقيق ذلك فأن إسرائيل كانت تعمد إلي عمليات عسكرية بعضها محدود وبعضها علي مجال واسع ضد السكان المدنيين عبر خطوط الهدنة ، خاصة في الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع غزة ، وذلك لإرهاب هؤلاء السكان ولخلق حالة توتر دائمة ، وكذلك كانت إسرائيل تقوم بعمليات عسكرية ضد المنشآت العسكرية العربية علي الحدود لخفض الروح المعنوية للجيوش العربية ولزعزعة أنظمة الحكم ، كما أنها كانت تقوم بعمليات إرهاب سرية في عمق الدول العربية بهدف التجسس وزرع الخوف والتوتر وتنفيذ بعض الأعمال التخريبية .

لذلك ظل العديدون من الكتاب والمؤرخين - حتي هذه اللحظة - يعتقدون أن تأميم قناة السويس كان هو السبب الرئيسي لحرب 1956 ، إلا أن يوميات شاريت تعطينا زاوية أخري هامة في هذا الموضوع ، فقد كانت إسرائيل تخطط لحرب شاملة ضد مصر بهدف إكتساب أراضي في قطاع غزة وسيناء منذ عام 1953 ، واتفق المخططون آنذاك علي أن الظروف السياسية سوف تكون موائمة خلال فترة ثلاثة أعوام ، بل كانت الغارة التي نفذت علي غزة في فبراير 1955 مخططة بحيث تكون مقدمة لحرب شاملة ، وهي الحرب التي كان يعارضها وزير الخارجية الإسرائيلي ( موشي شاريت ) ، وأدت معارضته إلي تصفيته سياسياً بواسطة أنصار بن جوريون ، أي أنه سواء شاركت بريطانيا وفرنسا أم لم تشارك في حرب السويس ، فأن إسرائيل كانت سوف تمضي في خططها بالعدوان علي مصر .

كما إعتبر العديد من المحللين أن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة عام 1967 كان إجراء وقائياً في مواجهة ما يسمي بالتهديد العربي ، إلا أن يوميات شاريت - مرة أخري - تؤكد أن خطط إحتلال الضفة الغربية وغزة كانت موجودة منذ بداية الخمسينات ، من خلال تنفيذ عمليات إثارة وتهديد لدفع المنطقة إلي توتر يبيح لإسرائيل تنفيذ تلك الخطط .

ومن العجيب أن العمليات العسكرية غير الإنسانية التي تنفذها إسرائيل في لبنان وغزة حتي اليوم ، يراها العديدون مبررة في ضوء ما يسمي " بإحتياجات إسرائيل الأمنية " ، رغم أن يوميات شاريت تؤكد أن بن جوريون في عام 1954 أعد خطط لجعل لبنان دولة مسيحية ، من خلال برنامج تفصيلي لتفتيت هذه الدولة .

ولهذه الأسباب رفضت إسرائيل دائماً أية ترتيبات أمنية مع جيرانها لأن ذلك سوف يحرمها من إفتعال الذرائع لتنفيذ عملياتها العسكرية والإرهابية في إطار مخططها الأوسع في التوسع ، ولم يكن هناك من هو أكثر صراحة من دايان الذي قال يوم 26 مايو 1955 : " أن ذلك يساعد في المحافظة علي أعلي درجات التوتر بين سكاننا والجيش ، وبالتالي فأننا لكي ندفع بشبابنا إلي صحراء النقب ، يجب علينا أن نصيح دائماً أنها في خطر " .

أن المؤسسة العسكرية السياسية الإسرائيلية لم تخدع العالم والعرب فقط ، وإنما خدعت الإسرائيليين ( واليهود في العالم كله ) بأسطورة " التهديد العربي " ، فقد دفع الإسرائيليون أيضاً من دمائهم وحياتهم وإستقرارهم ثمناً باهظاً لخطط أعدها قادتهم بسرية وتكتم لم تكن تهدف إلي رفع مستوي شعبهم أو تحقيق أمنه بشكل حقيقي ، وإنما طمعاً في مزيد من الأراضي في شبق مجنون وبأساليب شيطانية كما كشفت يوميات شاريت ، كما أن هذه الأساليب أضرت بالحالة النفسية والعقلية للشعب وهناك أمثلة عديدة علي ذلك يكفي أن ننقل منها ما نشرته صحيفة دافار في عددها الصادر يوم 9 يونيو 1979 ، حيث نستمع إلي شهادة أحد الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في الهجوم علي قرية فلسطينية عام 1948 :

" لقد قتلنا حوالي 80 إلي 100 عربي من النساء والأطفال ، وكنا نقتل الأطفال بواسطة كسر جماجمهم بالعصا ، ولم يكن هناك بيت واحد يخلو من الجثث ، فقد تم تجميع الرجال والنساء في منازل بدون طعام أو ماء ، بعد ذلك تم تفجير هذه المنازل بمن فيها بالديناميت ، ورأيت أحد القادة يصدر أوامره لجندي كي يدخل امرأتين إلي منزل سيتم تدميره ، بينما جندي آخر كان يفاخر بأنه أغتصب امرأة عربية ثم أطلق عليها النار ، ثم امرأة أخري تحمل طفلها الوليد تم تكليفها بتنظيف المكان لمدة يومين ثم أطلقوا عليها وعلي طفلها النار .. كلما كان عدد العرب الباقين أقل ، كلما كان ذلك أفضل"..

هذه الشهادة التي قدمها ذلك الجندي السابق بكل برود ، تعكس خطورة ما فعلته المؤسسة العسكرية السياسية في المجتمع الإسرائيلي من تشويه نفسي حتي تحقق ما ذكره دايان من حفز للشباب الإسرائيلي .
-------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
- مساعد وزير الخارجية الأسبق
(جزء من كتابي – تحت الطبع – " دبلوماسية السويس ")

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة10:28
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.0°C
توقعات الساعات القادمة
19.0°C
18.5°C
18.3°C
17.9°C
17.7°C
17.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس

أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,148ج.م
عيار 21
6,254ج.م
عيار 18
5,361ج.م
الجنيه الذهب
50,032ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...