الثلاجة والخراب البطيء
سألتني في اتصال هاتفي عن سبب الخراب الذي نعيشه، واجتهدتُ في تقديم إجابة عن سبب الابتسامة الحلوة التي تعلو وجوه الناس زمان رغم الفقر وقلة السلع والخدمات، واليوم تستطيع الدولة استيراد كل شيء، وقالت لي: بصفتك مثقفاً وتقرأ في كل شيء، أخبرني عن سبب واحد للخراب البطئ.
قلت لها دون أدنى تفكير: الثلاجة.
لم تقتنع بهذه الإجابة، بل اندهشت وقالت: غير صحيح؛ فالثلاجة هي التي تحفظ الطعام، وتريحنا من الشراء اليومي، كما أن لها الفضل في أمور غذائية وصحية كثيرة.
فأخذتني غيرتي على ثقافتي لأقول لها: بل الثلاجة هي سبب الخراب البطئ وربما السريع، فقد كنا في الزمن السعيد نعرفُ وحدة وزن الرطل لا الكيلو، والرطل مع الرطل وبعض الرطل يوازي الكيلو، كانت الناس تشتري الطعام يوماً بيوم، ولا تخزن ولا تدخر، فكان طعامها بسيطاً وقليلاً وطازجاً، وحركة البيع يومية لكنها بسيطة، فلم يكن هناك سوبر ماركت لعدم الحاجة إليه، كما أن الناس تستيقظُ مبكراً لشراء العيش والخضار ولوازم البيت، أما اليوم فقد اتكلوا على وجود المخزون في الثلاجة، وهذا المخزون يتطلب استخدام الكهرباء الذي يرهق الموازنة، ثم يتطلب شراء كميات تليق بحجم وسعة الثلاجة، فأصبحت الثلاجة تستنزفنا من عدة جهات، فثمنها باهظ جداً على الناس، وإصلاحها مكلف للغاية، كما أنها تستهلك كهرباء بأسعار عالية، ولابد أن نشتري الكثير من السلع لندفنها في الثلاجة وإلا يعترينا الاكتئاب حين تفرغ من المواد الغذائية.
فقد أصبحت الخلافات العائلية اليوم تنجم بسبب الثلاجة، فلو فرغت قليلاً تتوتر المرأة وتتغير هرموناتها، خاصة هرمونات الأمان الاستراتيجي، وتعزي كفاءة الوضع المادي للبيت للمخزون في فريزر الثلاجة، خاصة اللحوم والفراخ والأسماك، فهي بثمنها الغالي، واستهلاكها الكهربائي ومخزونها الذي قد يفسد بعضه إن لم يكن نصفه، ويتغير طعم وخصائص النصف الآخر، كل هذه العوامل مجتمعة إضافة إلى الكسل الذي فرضته علينا جعل الخراب البطئ يعرفنا، فنحن اليوم ينطبق علينا المثل الشعبي القائل: بنزين في التنك ولا فلوس في البنك.
لماذا؟ لأن أغلبنا يحرص على شراء السيارة ولم يعد يستخدم المواصلات العامة الحكومية أو الخاصة، ومن ثمَّ ظهرت مفردات ومصطلحات وأمثال جديدة، كلها استهلاكية، فكما يجب وضع البنزين في تنك السيارة التي قد لا تكون ضرورية وهناك ما يُغني عنها، فإن الثلاجة مثل التنك، يجب ملؤها بالخيرات.
ولأن أغلب الثلاجات اليوم كبيرة الحجم فإنها تحتاج الكثير من الأموال كي يظهر فيها الشيء، ولأن التخزين لم يعد يصلح كله في مكان واحد ظهرت بجوار الثلاجة الفريزر الرأسي أو الأفقي.
لقد تحولت بيوتنا بفضل الثلاجات إلى سوبر ماركت صغير، وميزانياتنا قد لا تسمح بذلك، فنجد أن أغلب رواتب موظفي مصر لا تكفي خزين الثلاجة أسبوعين.
كما أن العين تستهلك ما تراه أكثر مما يغيب عنها، فنحن نفتح الثلاجة كل يوم عشرات المرات، وفتح باب الثلاجة يحملُ خطورةً عظيمةً، فهو علاجٌ لحالة الفراغ العاطفي، وهو استنزاف لما فيها، وقد يصبح مع الوقت مجرد عادة، ثم إدمان، نفتح الثلاجة للاطمئنان على المخزون ثم تلمح عيوننا بعض الأشياء فنقول لا ضير، ونأخذ قطعة، ثم أخرى وأخرى، دون حاجة حقيقية لتناولها، فنُصاب بالتخمة والكسل والفقر.
قالت: تقول كل هذا في الثلاجة؟ وهي التي حلت لنا الكثير من المشكلات؟ فهي تقلل مرات التسوق، وتحفظ بقايا الطعام من التعفن، وتقلل البكتريا، وغير ذلك وتنظم تخزين الطعام بأرففها الكثيرة فتوفر بدائل غذائية، وتوفر الهدر في الطعام.
قلت لها: هذه كلها عيوب وليست مزايا، فتقليل مرات التسوق يضغط التسوق في مرات قليلة لكنه مكلف جداً، كما أنه يحيلنا إلى الكسل، وكل شيء اخترعه القرن العشرون لراحة المرأة قد خدعها عن صحتها، فعمل المرأة الكثير هو الضمانة الوحيدة لصحة جيدة، وقد استخدموا هذه الأجهزة كي تنزل المرأة من البيت للعمل الشاق في الخارج، وتقوم بتسخين وجبات الأمس، بدلاً من إعداد وجبة ساخنة شهية، وهذا التسخين أمر خطير على الصحة، وتخزين الخبز حتى يتجمد ثم تسخينه يضرُّ.
سكتت قليلاً، ولم تحرُّ جواباً، فقلت: هل عرفتِ الآن سبب الخراب البطئ؟ الناس في بلادنا ليسوا فقراء والأسعار ليست غالية، لكننا نشتري أكثر ما نحتاج كسلاً ولتعويض الإحساس بالفقر، ورغبة في الظهور أمام أنفسنا مظهر المطمئنين، فقد عرفت مصر مجاعات عظيمة، في أيام سيدنا يوسف عليها السلام، ثم الشدة المستنصرية وغيرها، مما رسخ في الوجدان الكلي للناس.
أما التسوق اليومي البسيط فهو رائع، فمثلاً لماذا أشتري خمسة أنواع فاكهة اعتماداً على وجود الثلاجة، فلنشتري كل يوم صنفاً واحداً، فمن ناحية تكون طازجة ومن ناحية أخرى نضمن عدم لعب التجار في الأسعار، وأخيراً تكون الميزانية محدودة.
كما أن للثلاجة خطورة مختلفة، فهي تعلمنا الأكل المتأخر ليلاً، وهذا يبث فينا الكسل، وهذا الكسل يعلمنا النوم ونفوَّت على أنفسنا البكور الذي هو محل البركة، فلو امتنعنا عن الثلاجة لن نسهر، وسنستيقظ مبكراً مع الفجر، ونبدأ يوماً صحياً.
قالت: سأبيع الثلاجة وأجرب حياتي من دونها، وأرى هل يستمر الخراب أم يجئ العمران والثراء.
قلت لها: تخففي من الآلات تقوى عندكِ العضلات.
------------------------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري