إبداعات | ابنة الصباح
تجَلس الَخالة "نبوية" في هُدوءٍ بجوارِ الحَائطِ القَديم المواجه لدَوارِ العُمدة ، في ارتياٍح، تُطاِلعُ مَقدم الصَّباح ، تُؤمِّنُ طلائعِه لحظة تَشق حَواشي القرية تُزاحِم فضاءاتها، كُلّ شَيٍء إلى الآن يَسيرُ في نَسقِه اليومي المُعتاد ، تقاطر الأوزات في صياحها ذاهبة الترعة، على البُعدِ معركة الكلاب الصَّباحية الدَّامية، مَصحوبة بعواِء كلب "مفتاح حماد" المنهزم تتناوشه الكلاب في هُجومٍ خَاطف ، صوت "بركات" الخولي يُوقظُ أنفاره في غِلظةٍ ، تتناوب عصاه الأبواب طَرقا عنيفا، ومقذوف لسانه يَنطلقُ في فُحشٍ :"نموسيتك كحلي يا ابن بهية قوم قامت قيامتك" ، عِراك الطبيعة لا يَتوقّفُ، حُوم العصافير وأبو قردان الكثيفة تَملأ الأُفق الباهت، صوت " القمبيرة " يتَعالى عن بُعدٍ :" يا بيضتي يا بيضتي " ، رائحة البيوت تَهبُّ عَطنة ، مُحمّلة بأثقالِ المساء ، خَليطٌ في لزوجةٍ مُنفّرةٍ لتَصريفِ البطون وروث البهائم ، سِربٌ هزيل من الماَعزِ يرعى فوقَ الأكمام في نَهمٍ ، طابور من العذارى الحُفاة يتَقاطرن في عُبوسٍ على الترعة.
واظبت " نبوية " على جلستها مُذ غَادر "الحاج مصطفى البكري" للأراضي الحِجازية ، رقصت أمام موَكبهِ في ابتهاجٍ حَتّى تَعبت ، اطلقت زغرودة مُرتعشة تُشبه نُباح كَلبٍ عَجوز ، رفعت يدها مبتهلة بنيةٍ صَافية ، أن يَكفه شر الطَّريق ، أن يَرجع سَالمِا لناسه ، هَللّت وغَنّت وتَمنّت كغيرها ، لم تَغفل أثناء ذلك أن تُعيد عليه طَلبها ، جَذبت الرّجلَ من كُمهِ وهي متشبثة بنافذةِ السَّيارة ، أعادت طلباتها "جلباب وطرحة وشبشب" ، لحَظتها مَرَّر يده فوقَ راسها في تَلطُّفٍ ، ودَسَّ في يدها قطعةً من الفضِة رِيالا كَاملا ، رقَصَ قلَبها طَربا ، أطبقت يَدها على الرّيالِ بإحكامٍ ، وقد تَعرَّق جَبينها اليَابس ، سَرت فيها رِعدة خَفيفة من حَرارةِ الحياة ، ابتلعت ريقها ، تَشبَّثت أصَابعِ قدمها العارية بالأرضِ بعدما دارت من تحتها ، طالعت يدها المُحكّمة على قطعِة النَّقدِ ، طَفحت عَبرة بدت كَرزازٍ خَفيفٍ عاجلتها بطرف حرامها ، نفَضت رأسها في ابتسامٍة شَاحِبةٍ ، تكَّسرت لها تجاعيد وجه برئ ، قد رَسمَ الزمن عليهِ خُطوطا من البُؤسِ والشَّقاء، انَحرفت نَاحيةِ الجِداِر وقد أسندت رأسها إليه ، مَرَّ من أمامها شريط الذكرى ، تَنبَّهت لصراخٍ أمها المَفجوعة ، وبكاء أخوتها ، ضَجيج الخَفر يسوقون والدها في غِلظٍة وهو يَحجِلُ في قيودِه ، في استعبارٍ هَزَّت رأسها ، غَيَّبت نفحتها الجديدة تحتَ أثدائها كالعَادةِ.
" نبوية " ابنة الصباح الوفية، تقولُ مفُتخرة :" مُنذ أربعينَ عَاما لم تطلع عَلّي شمس النَّهار، إلا وأنا تحت الجدار" ، هُنا مُستقرها الآمن ، تشعل نيران الكانون ، تَعشق الشاي لَحدِّ الهَوس ، يَطفحُ وجهها بالسعادةِ حِينَ تَختلط رائحته النَّفاذة بِخيوطِ دُخان "الجوزة " التي لا تمل كركرتها ، تَظّل سَابحةً في الدَّربِ سَحابة نهارها حتى يَلتَحم سواد الليل بالحِيطانِ ، عندها تُلملم أغراضها وتقصد غُرفتها، لا تبرحها حتى مَخاض يَومٍ جَديد، ، تَتودَّد للجميع في حَميميةٍ زائدة تُردّد :" أنا ابنة هذا البلد ، كل الناس أهلي المسلم والمسيحي " ، بحَذرٍ تُلامسُ ماضيها ، تروعها مأساة عائلتها التي قتلت جميعا ، ولم تفكُّ الحكومة لغزها .
يَتغامز الخُبثاء في وقَاحٍة :"هل أصَابَ قلب ابنة الصَّباح ما يُصيب النساء ، وهل تَأثَّر لعدوى الحُب ؟! ، لم يعرف عنها أنَّها مالت لَحبيبٍ ، أو بَادلت رَجلا عَاطفة ، بل هي امرأة تنكَّرت لأنوثتها خَنقتها في مَهدها، في تَعمدٍ تبدو مُسترجلة ، تَغرسُ جَسدها في جِلبابِ الرجال، تُعصِّبُ رأسها بشالٍ أحمر ، حتَّى وهي تَطلب من الحَاج " مصطفى " جِلبابا وطرحة لم تسأل نفسها ، مالي وتلك الثياب؟!
لم تَخرج يوما عن حُدودِ القرية ، لا تعرف من عالمها سوى هذه الجُدران ، لم تخالط غيرَ هذه الوجوه وضَجيج الشوارع، يقشعرُ بدنها عِندَ الموردة تظنّ أن يدا ستخطفها من الماء ، رأيتها البارحة فيجِلبابها الأزرق ، تَلتهمُ عروق الحِلبة الخَضراء في انبساطٍ ، ألقيتُ إليها بتَحيِة الصباح ، اشَرقَ وجهها لكنَّها اكتفت بإشارةٍ من يدها ، ثم عَادت لتَغمسَ وجهها في حِجرها وتَصلُ ما انَقطعَ.
-----------------------
يكتبها : محمد فيض خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري