«سنسجد معًا».. سجدة منتخب مصر التي أربكت باحثة إسرائيلية
في زمن يحاول البعض اختزال المواطنة في لقطة تلفزيونية، فلا أرى أي تعارض بين الانتماء الديني المسيحي و الوطني، فالسجود لله بعد الفوز ليس شعاراً سياسياً وليس إعلاناً عن هوية دينية للدولة، بل تعبير شخصي عفوي يمارسه المؤمن بحسب عقيدته. والمسيحية نفسها غنية بصور السجود والركوع أمام الله، فالسجود تعبير تلقائي عن الشكر لله يمارسه المؤمنون في كل الأديان، ولا يُشكل أبداً هوية المنتخب ولا ينتقص من انتماء أي مصري.
فالمشكلة ليست في أن لاعباً مسلماً يسجد شكراً لله، بل في محاولة اختزال مفهوم المواطنة في لقطة رياضية، فإن منتخب مصر ليس «منتخب الساجدين» فقط، بل منتخب كل المصريين الذي يعبر عن طموحهم، فهو يشمل المواطن المسيحي الذي يفرح بالفوز والمسلم الذي يسجد بعد الهدف، كلاهما ينتمي إلى الوطن نفسه، و لا تُقاس المواطنة بعدد اللاعبين من طائفة أو أخرى، بل بالمساواة في الحقوق والواجبات. إذن تحويل سجدة شكر إلى أزمة هوية هو خلط خطير بين التدين الفردي والانتماء الوطني. ولهذا إذا كان سجود لاعب مصري بعد الفوز يزعج البعض، فسنسجد معًا بمعنى أعمق؛ سنقف معًا دفاعًا عن حق كل مصري في التعبير عن معتقده، فإذا بمشهد عادي في ثقافة ملايين المصريين يتحول إلى مادة للانزعاج والنقد.
و إن كان هناك على مدى عقود، لم يتجاوز العدد الإجمالي للاعبين الأقباط الذين وصلوا إلى المستوى العالي 12-15 لاعباً، حتى في أندية يملكها رجال أعمال أقباط مثل الجونة كعائلة ساويرس، يظل الوضع مشابهاً، لأن الإدارة اليومية والمدربين محليون، والثقافة الرياضية المصرية تؤثر، فنجد ناصف ساويرس يمتلك أستون فيلا في إنجلترا، وهناك الاختيار احترافي تماماً، هذا يدل على وجود بعض التعقيدات الإداريه و الثقافيه منتشره في الوسط الرياضي، و ليس بالضرورة قراراً مركزياً من الدولة، لكنه يستمر بسبب غياب رقابة صارمة وخوف من ردود الفعل الجماهيرية،رغم كل هذا الوعي، يظل الواقع في الرياضة المصرية يعكس تحدياً أعمق، و يؤكد أن المشكلة محلية مصرية، وليست قدراً دينياً، فالكرة لا تميز بين مسيحي ومسلم داخل الشبكة، لكن التحيز يحدث عند بوابة الأكاديميات والنوادي، لأننا أمام ضعف الاندماج الكامل، ووجود بذور طائفية في بعض الدوائر الشعبية والإدارية، لكن الاختيار في الناشئين والأكاديميات يتأثر بالتحيز البشري، و هذا يضيع مواهب داخل المنتخب الوطني استراتيجياً، لذلك أدركنا لماذا جاء رد البابا تواضروس الشخصية الوطنية لتركز على بناء الجسور والسلام الاجتماعي و يصرح أنه يتابع المنتخب الوطني.
و منذ حوالي أربع سنوات في 2022 ، أطلق نيافة الأنبا رافائيل، أسقف عام كنائس وسط القاهرة، مبادرة نوعية لمواجهة ضعف تمثيل الأقباط في الرياضة المصرية، من خلال إنشاء نادي عيون مصر لكرة القدم في محافظة البحيرة. النادي، الذي حظي بدعم وزارة الشباب والرياضة، يهدف اكتشاف وتنمية المواهب الرياضية بين الشباب المسيحي، مع التأكيد على أنه مفتوح للجميع بغض النظر عن الدين، ويمثل نموذجاً للاندماج الوطني وليس الانعزال، رغم أن المبادرة أثارت جدلاً إعلامياً حول «الطائفية»، إلا أنها سلطت الضوء مجدداً على الحاجة الملحة لتكافؤ الفرص في الملاعب المصرية، وأكدت دور الكنيسة في دعم الشباب دون التنازل عن المسؤولية الأساسية للدولة والأندية في تطبيق مبدأ المواطنة المتساوية، فإن الرياضة يجب أن تكون ممر اندماج، و ليس مرآة للانقسام، فإن الدولة تنجح في مجالات أخرى، لكن الرياضة الشعبية تأتي متأخرة بسبب الضغط الجماهيري غير الرسمي.
و في أبريل 2018، خلال مشاركته في لجنة إعداد قانون الرياضة الجديد، اقترح النجم السابق أحمد حسام "ميدو" (لاعب الزمالك والمنتخب السابق) تخصيص نسبة لا تقل عن 10% من لاعبي فرق الناشئين في الأندية المصرية للاعبين الأقباط، تاريخياً، لم يتجاوز عدد اللاعبين الأقباط في التوب ليفل (الدوري الممتاز والمنتخبات) سوى 5 لاعبين فقط عبر التاريخ، و كثير من المواهب القبطية الشابة يتوقفون عن اللعب في سن مبكرة بسبب الرفض في التجارب، لكن النسبة 10% تعكس تقريباً نسبة الأقباط في المجتمع المصري، كحل مؤقت لكسر الحاجز الثقافي و الإداري وإعطاء فرصة حقيقية للمواهب، و كانت النتيجة رفضت اللجنة الاقتراح بأغلبية ساحقة، لان معارضين اعتبروه كوتة طائفية قد تؤدي إلى تمييز عكسي، هذا الحل المؤقت شائع في دول متعددة لمعالجة تمثيل الأقليات في الرياضة أو الوظائف لكنه يحتاج رقابة صارمة لضمان أنه يعتمد على الموهبة أولاً.
اما عن دخول عيديت بار الباحثة الإسرائيلية علي الخط، تنتقد المنتخب المصري، وصفته بمنتخب الساجدين معتبرة أن اللقب يحمل دلالات إقصائية وعنصرية ضد الأقباط ،لأن مشهد السجود الجماعي بعد الأهداف يُبرز الهوية الإسلامية ويوحي بأن الفريق إسلامي وليس وطنياً شاملاً، ليس إلا تصيد كلاسيكي معروف في الاستخبارات والحرب النفسية الإعلامية، فإن إسرائيل تركز على الملف القبطي كأداة لتصوير مصر كدولة طائفية غير متماسكة، خاصة في سياق كأس العالم أو المنافسات الإقليمية، و تشويه صورة المنتخب والمجتمع المصري أمام الرأي العام الدولي، واستغلال مشكلة ضعف التمثيل القبطي لكن بطريقة مبالغ فيها ومسيسة، مع تجاهل أن السجود تعبير ديني فردي جماعي عفوي شائع في الدول الإسلامية، وليس "إقصاءً" متعمداً، مشابه لكيفية استغلال مصطلح "أقباط المهجر" سابقاً من تيارات معادية، إذا كانت إسرائيل قلقة على الأقباط، فلماذا لا تنظر إلى معاملة أقلياتها العربية المسلمة و المسيحية داخلها؟ ، فيكشف عن ازدواجية معيارية واضحة، فكيف لإسرائيل نفسها أن تحتفل بتنوع منتخبها الذي يضم عربًا ومسلمين ودروزًا، بينما تتجاهل واقعها الداخلي المعقد.
في مصر، لا يحتاج القبطي إلى أن يتحول إلى مسلم حتى يحترم حق المسلم في التعبير عن إيمانه، كما لا يحتاج المسلم إلى أن يصبح مسيحيًا حتى يحترم حق القبطي في ممارسة شعائره. هذه هي الفكرة التي تبدو عصية على الفهم لدى البعض: التعددية لا تعني إزالة الدين من المجال العام، بل قبول وجود الآخر كما هو، فالمشكلة ليست في سجدة لاعب، بل في عقلية ترى في هوية مصر الحضارية والدينية أمرًا يستحق الاستفزاز أو التوجس، أما المصريون فقد حسموا الأمر منذ زمن طويل، قد نختلف في العقيدة، لكننا لا نختلف على الوطن.
-------------------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري