الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 16.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مصر على قارعة طريق دولي!

مصر على قارعة طريق دولي!

خلق الله مصر في ذلك الموقع الجيوستراتيجي الخطير، لكن حكام مصر تفننوا في إضعاف الشعب واستعباده ، فأصبح ذلك الموقع مطمعاً لكل عابر سبيل !.

ومن الثابت مثلاً ، أن وزير المستعمرات البريطاني لورد بالمرستون قد قال  : " أن كل ما أحتاجه من مصر ، هو "حان" علي الطريق جيد الترتيب ، كي يقدم خدماته الفندقية في منتصف الطريق إلي منزلي الريفي ، ولكن لا أريد أن أشتري هذا الحان " ، وكان ذلك رداً علي عرض القيصر الروسي رومانوف تقسيم الإمبراطورية العثمانية بين روسيا وبريطانيا بحيث تكون مصر وكريت من نصيب بريطانيا ، ليس هذا فحسب ، بل أن بريطانيا تحالفت مع فرنسا للدفاع عن تركيا في حرب القرم ضد روسيا ، وهو ما لم يفهمه القيصر ، لأنه لم يدرك أن مخاوف بريطانيا العظمي علي مستعمراتها الشرقية وخاصة الهند ، تزيد كثيراً علي تقاسم غنائم رجل أوروبا العجوز الضعيف ، الذي كان سيسقط علي كل حال .

ولكن ذلك لم يدم طويلاً ، فقد لاحظ ساسة بريطانيا أن نفوذ فرنسا في مصر يتزايد منذ الحملة الفرنسية عام 1798 ، وهو ما سارعت بالوقوف ضده ، ونجح نلسن في تدمير أسطول نابليون ، وبالتالي أصبح جيشه بشكل عملي منقطع عن الدولة الأم ، محاصراً ، منهكاً ، وانتهت المغامرة الفرنسية .

عاد الساسة البريطانيون يساورهم القلق إعتباراً من 1854 ، حين لاحظوا زيادة النفوذ الأجنبي في مصر بشكل عام ، والفرنسي بشكل خاص بعد تولي الوالي سعيد باشا ، الذي كان حاكماً مسرفاً يحلم بجعل مصر قطعة من أوروبا ، وبالتالي استعان بالعديد من الأوربيين، وقد تأثر بعدد منهم، وخاصة فرديناند دي ليسبس ، الدبلوماسي الفرنسي المتقاعد الذي كان يحلم بتحقيق مشروع كبير لحفر قناة تصل ما بين البحر الأحمر والبحر الأبيض .

كان الوالي سعيد منساقاً بشكل كامل مع الدبلوماسي الفرنسي المتقاعد الذي مارس كل إمكانياته ومهاراته في إقناع الخديو ليس فقط في الحصول علي إمتياز حفر القناة ، وإنما بضمان عمالة كافية ورخيصة عن طريق السخرة ، بالإضافة إلي مساحات شاسعة من الأراضي علي ضفتي القناة المتوقعة .

لم يعش سعيد ليري حلمه وحلم ديليسبس ، فقد مات عام 1863 ، وحضرت الإمبراطورة الفرنسية أوجيني حفل افتتاح القناة عام 1869 في ضيافة الوالي إسماعيل ، ذلك الحفل الأسطوري الذي جفف ما تبقي في الميزانية المصرية التي كبلت بأعباء الحفر والتحضيرات المكلفة لذلك الإحتفال المهيب ، والتي تضمنت شق طرق وبناء أوبرا تم تخصيص عرض موسيقي خاص لها بواسطة الموسيقي العالمي فردي، الذي أعد عرض أوبرا عايده خصيصاً لهذه المناسبة .

لقد كان الخديو إسماعيل مجنوناً بالمظاهر، ورغم قلة علمه وثقافته إلا أنه كان وفق معاصريه ذلق اللسان لبقا ، كما كان كريم اليد معطاء في إسراف ، يحلم مثل سعيد أن يري مصر علي مثال الدول الأوروبية ، فقط في المبني دون المعني ، في القشور اللامعة وليس في الحشو المفيد ، فزادت ديون مصر بشكل رهيب ، وفي النهاية تم بيع نصيب مصر من أسهم قناة السويس نفسها لسداد الديون ، وكما كتب مؤرخ بريطاني : " كلما كانت تتزايد المباني الجميلة العالية في القاهرة والأسكندرية ، كانت أحوال المصريين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم بشكل متسارع " .

ثم جاء دور الخديو توفيق كي يستكمل الدائرة ، حين تواطأ مع الإنجليز ضد حركة وطنية خاضها الضابط المصري الفلاح أحمد عرابي ، وبعد نجاح الحركة في تثبيت دور البرلمان ( مجلس شوري النواب ) في مناقشة الميزانية دون حضور ممثلي الإشراف المزدوج الإنجليزي والفرنسي ، الذين أضطر الخديو إسماعيل علي قبول وجودهما لضمان سداد ديون مصر، وقد اختلق الإنجليز ذريعة لإحتلال مصر ، رغم أنهم مع الفرنسيين  كانوا يقفون بأساطيلهم علي شاطئ الأسكندرية في انتظار اللحظة المناسبة لضرب الحركة الوطنية المصرية.

وكما يقول المؤرخ المصري د خالد فهمي في كتابه " كل رجال الباشا " : (أن المشكلة الحقيقية في "حكم مصر " تكمن في نقطتين أساسيتين، أولهما الولع بشخصية الحاكم الأبوية والذي باستطاعته وحده انتشال مصر من كبوتها والنهوض بها وحل مشاكلها المستعصية..ووراء تلك الرؤية القاصرة تكمن المشكلة الثانية الأعمق والمعضلة الأعوص ألا وهي عدم الإيمان بأهمية الفرد المصري العادي رجلا كان أم امرأة، من الريف أتى أو من الحضر، في صنع تاريخه والتحكم في مصيره ومقدراته).

لقد وهبنا الله مصر الخصيبة بموقعها المتميز ونيلها وإعتدال مناخها ، فإذا بأهلها يكتفون بمقولة "هيرودوت" بأن " مصر هبة النيل " ، وجلسوا عبر التاريخ علي شواطئه يسبحون بحمد حكامهم ، ويمصون القصب !.
-------------------------
بقلم : معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية السابق

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:36
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
16.5°C
توقعات الساعات القادمة
16.5°C
18.7°C
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...