الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 20.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
ما بعد الزلزال

ما بعد الزلزال

فى جملة المآسى التى رافقت وأعقبت زلازل شرق المتوسط الأخيرة ، ظهرت مئات القصص الإنسانية من تحت الأنقاض ، بينها حادثة الأم الشابة ، التى فاجأها مخاض الولادة تحت الردم ، وسلمت وليدها لفرق الإنقاذ التى وصلت إليها ، ثم أسلمت الروح إلى بارئها ، وتركت وليدها لحياة تنتظره بآلامها وآمالها .

وربما تكون فى قصة الوليد الناجى ، وفى سواها من المفارقات المماثلة ، ما قد يوحى بتغييرات جديدة فى أحوال المنطقة ، بعد أن تنتهى مشاهد الرعب كلها ، ويحصى الناس فى تركيا وسوريا إجمالى الخسائر النهائية ، وهى مرشحة ـ للأسف ـ لارتفاع مفزع ، قد يجعل ما جرى أم الكوارث لحجر وبشر سوريا بالذات ، التى شهدت حشدا هائلا من تزاحم المآسى الحربية ، سقط فيها مئات الألاف من القتلى ، ودمرت فيها مئات المدن والقرى ، فى صدامات دامية ، بدت بواكيرها موحية بثورة ديمقراطية فى سوريا ، ثم تحولت سريعا إلى ثورة على سوريا ، شاركت فيها أطراف محلية وإقليمية وإرهابية ودولية ، وارتكبت فيها أفظع الجرائم ، وفرضت كافة ألوان الحصار ، وضاعت وحدة الأراضى السورية ، وتكاثرت الجيوش والميليشيات الأجنبية ، ووقعت سوريا كلها تحت انتداب واحتلال متعدد الجنسيات ، وبدت الأطراف ذات الأصل السورى مغيبة تابعة مرتهنة ، وربما لا حيلة لها فى الزلزال السياسى والحربى الكافر ، تماما كما بدت هذه الأطراف كلها قليلة الحيلة أو معدومة الحيلة ، وهى تواجه زلازل الطبيعة الأخيرة ، التى لا حيلة لأحد ، حتى فى توقع مواعيد حدوثها ، سواء فى مناطق أوسع ، يفترض أنها تحت سيطرة نظام دمشق ، أو فى شمال غرب سوريا ، حيث اجتمع ملايين النازحين خوفا ، فى مخيمات ذابت فى عواصف وأمطار الشتاء الثلجى ، أو فيما تبقى قائما من مبان ، جاء الزلزال الأخير ليعصف بآلاف منها ، ويلحق عشرات الآلاف من سكانها بسابقيهم من ضحايا حروب لا ترحم .

هذا المشهد المقبض القاتم ، جعل سوريا تبدو ، وكأنها الضحية الأولى للزلزال ، برغم أن الأرقام المعلنة على علاتها ، تجعل تركيا فى وضع الضحية الأكبر ، فالزلزال وتوابعه المهلكة ، اجتاح عشر محافظات تركية ، لكن تركيا على عظم مصابها الأليم ، بدت فى حال مختلف ، فتركيا دولة منتظمة المؤسسات ، وعندها إمكانات وخبرات إنقاذ كبيرة ، ويتدفق عليها دعم دولى وإقليمى فعال ، بينما سوريا متلاحقة النكبات ، لا تحظى بسلطة موحدة ، ولا بعنوان بريد جامع ، يمكن أن تصل إليه معونات الإنقاذ ، اللهم إلا فى الأراضى المنسوبة لنظام دمشق ، الذى تلقى اتصالات من دول عربية وأساطيل دعم جوى ، خاطرت بكسر قوانين حصار واشنطن وعقوباتها لسوريا ، وقدمت بعض ما تستطيعه من عون إنقاذى وطبى وغذائى ، لا يبالى بقانون "قيصر" ولا بقانون "الكبتاجون" ، بينما بدا الحس الشعبى العربى عموما ،  متحفزا لمساعدة شعب سوريا الشقيقة فى مواجهة توابع الزلازل ، وعلى نحو ما جرى فى ساحات عربية متعددة ، وأيا ما كان موقف النظم الحاكمة فيها من النظام السورى ، ومن دون فرص للوصول إلى منطقة شمال غرب سوريا ، التى حجز عنها أى عون مبكر ، بسبب إغلاق المعابر التركية ، وسوء أحوال الطرق والظروف الجوية ، وحتى إشعار لاحق ، فتحت فيه المعابربعد فوات أوان انقاذ ما تيسرمن حيوات البشر المنكوبين .

والسؤال الذى يبقى بعد سقوط الضحايا بالآلاف ، هل تكون فى المحنة المزلزلة بعض عواقب المنح ؟ وهل تفتح المعاير المسدودة فى الأزمة السورية برمتها ، وهل يصل السوريون بعد الزلزال إلى كلمة سواء ، وتعود لسوريا وحدتها الترابية والسياسية ، وتدرك الأطراف المتحاربة كلها ، أن لا أحد كسب من لعبة الموت المجانى ، ويديرون حوارا صادقا لبناء دولة وجيش موحد ، والتوصل إلى تسوية لتفاقمات الوضع السياسى المعتل قبل الزلزال وبعده ، من يدرى ؟ ربما ترى النفوس الطيبة بعد أهوال الزلازل الطبيعية ، حقيقة ما جرى لسوريا وطنا وشعبا ، فلا حيلة لأحد فى أقدار وزلازل الطبيعة ، لكن حيل البشر مؤثرة فى غيرها ، وربما يكون ما جرى دافعا لتحرك إيجابى ما ، يأتى من السوريين المخلصين فى كافة أطياف السياسة ، خصوصا أن أطرافا منسوبة للمعارضة السورية مرتبطة بالسياسة التركية ، التى بدأت قبل شهور فى التحرك باتجاه نظام دمشق ، والسعى لإجراء مصالحات برعاية موسكو ، وربما تكون الزلازل التى جمعت بصلات الجغرافيا بين تركيا وسوريا فى المحنة الكبرى دافعا إضافيا ، يقود النوايا التصالحية فى طرق سالكة أكثر ، خاصة مع تطور المصالحات بين أنقرة وعواصم عربية عدة ، يميل أغلبها إلى إعادة النظام السورى لمقعده الفارغ  فى الجامعة العربية ، وربما لا تشترط سوى إتمام حوار جدى ناجز بين الحكومة السورية ومعارضاتها ، قد تتمكن أطراف عربية من المساهمة فيه ، وقد يكون من أثر للتغيرات الجارية عند قمة المشهد الدولى ، ولجوء أطراف عربية مؤثرة لحياد إيجابى فى وقائع حرب أوكرانيا ، يبعدها قليلا أو كثيرا عن الانصياع لإملاءات واشنطن ، ويفكك قبضتها الشريرة على أعناق النظم العربية ، التى  يسعى بعضها إلى حرية حركة أكبر ، وإلى استكشاف مصالحها الذاتية ، وإلى البحث عن تسويات مع جوارها الإيرانى والتركى ، بدلا من مواصلة السير الأعمى وراء حروب ومصالح وأولويات واشنطن وتل أبيب ، وإعادة ترتيب أوراق البيت العربى ، وتغليب لغة التضامن على انفلات الخلافات والأزمات ، وبالذات بعد ما بدا من عودة وصحوة النزعة القومية العربية عند القواعد الشعبية ، وغلبتها على ما عداها من صور الهوان الطويل ، وعلى نحو ما رأيناه  فى مشاعر الجمهور العربى على هوامش مباريات مونديال "قطر" الكروى ، وفى مشاعر التعاطف المتدفق مع سوريا فى محنة الزلازل الأخيرة ، وكلها تلتف حول قضية فلسطين ومقاومتها الجسورة لوحشية كيان الاحتلال ، ثم حول استعادة سلامة الأقطار العربية المحطمة ، وبينها سوريا وعذاباتها ، وعشرات ملايين لاجئيها ونازحيها والمقيمين فيها ، وهذه "الفزعة" الشعبية العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج ، ربما تكون أول عناصر التأثير فى مواقف النظم الحاكمة ، ولو على سبيل التظاهر بمصالحة شعوبها ، فقد تكون أوضاع الاستبداد وكبت الآراء هى الغالبة فى منطقتنا ، لكن الآراء الحرة تجد سبلها برغم القمع ، وتفتح براحا متاحا عبر وسائط التواصل الاجتماعى الإلكترونى ، وتخلق نوعا من قوة الرأى العام المرئية ، وبالذات عند توالى المحن والكوارث ، التى تلحق بأى شعب عربى ، وعلى طريقة ما جرى ويجرى فى موجة تضامن فطرى وقومى تلقائى مع المنكوبين ، وبعيدا عن حملات الدس والوقيعة وفتن الذباب الإلكترونى ، ولو أرادت النظم العربية أن تفعل شيئا لفعلت فى الملف السورى ، فقد تأخرت وغابت طويلا ، وربما تأتى متأخرة ، فذلك أفضل من ألا تأتى أبدا ، وقد يكون الزلزال وتوابعه نوعا من الإشارات السماوية الهادية للغافلين ، فالتضامن الحقيقى مع سوريا ، يعنى أن نمد اليد لسوريا ، ومن دون أن يعنى ذلك تعصبا ولا انحيازا لطرف بعينه فى غابات الحطام السورى ، هذا إن أردنا أن تعود سوريا لعروبتها ، لا أن تظل غنيمة للأجانب وملاعب دم لبنيها ، ومن دون أن يعنى ذلك تعصبا للقومية العربية دون سواها ، خصوصا من الإخوة الأتراك ضحايا الزلازل المدمرة ، وقد كان سلوكا حسنا من حكام عرب ، أن جمعوا فى اتصالات التضامن والمواساة بين سوريا وتركيا ، فالحكام زائلون والشعوب باقية ، ولا يصح اختزال شعب فى حاكم بعينه ، وهو ما سبق إليه الشعور الفطرى الإنسانى عند الناس العرب العاديين ، وإعلاء تضامنهم مع الشعب التركى ، ودونما ارتباط بأى آثار سياسية واردة لنكبة الزلزال الأخطر فى تاريخ تركيا الحديث ، التى تنتظر جولة انتخابات رئاسية استثنائية ، قد تتأخر مواعيدها مع الظروف الطارئة ، فاختيار من يحكم تركيا ، هو حق وواجب الشعب التركى وحده ، وذاكرة الشعوب ووجدانها الجمعى لا ينسى ، ومساهمة العرب فى دعم الأتراك بالمحنة ، تعنى ما هو أبقى من بقاء حاكم أو ذهابه ، وكثيرا ما أعقبت الكوارث الطبيعية تغيرات فى السياسة ، وعلى نحو ما جرى بعد آخر زلزال كبير سابق عام 1999 ، وسقوط 17 ألف قتيل وقتها ، وتغيرات المشهد التركى فى أعقابه ، لكن ما يهمنا أولا وأخيرا فى المسألة التركية ، أن تبقى الصلات مع شعبها متينة وأخوية وصادقة ، تماما كما نتمنى أن تكون الصلات مع الشعوب الإيرانية ، التى من حقها وحدها وحصرا ، أن تغير نظامها أو أن تبقيه ، ولكن من دون توحش النفوذ الإيرانى على حسابنا ، ونشر التعصب الطائفى والعنصرى المقيت .
------------------------------
بقلم: عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.9°C
توقعات الساعات القادمة
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
24.1°C
24.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...