في يوم الأرض.. البلاد تفتتح النشيد
***
الأرضُ دماءُ موسيقى النّارِ، وينبوعُ النزيف تحتَ القصفِ والخَسف. والأرضُ، في بلادنا، منذ عقود، نشيدٌ فوق الرَّدْمِ، الذي ستتنادى حجارتُه لتصطفّ ثانيةً في جدارٍ متين، وطفلٌ يهتف بفي الآفاقِ. والأرضُ لهيبٌ من أطيارِ البَرقِ، خيامٌ تمشي نحو الصُّبْحِ، وتشربُ من نَّصْلِ السكّين، وأُمٌّ تهتف فوق الجَمْر. الأرض القاموسُ الأجمل، بكلّ مفرداته ومواسمه. ولا مِن شَعبٍ تغنّى بأرضه كما فعلنا! شهادةً واحتضانا وغرْسَا وحراسة، إذ تنام بين الجَفنين، وتغفو على نبض الوجيب، وتكوّن أحلام النائمين، وناي المغنّين، ونداء اللاجئين، وهتاف الأسرى، وأصوات المذبوحين.
وكلّ يوم في فلسطين هو يومٌ لها، تضحيةً وندوبا وسَهرا وحِبْرا وزفّات، تمتدّ من السامر، مرورا بالحِجَج، وصولا إلى ساحات الاشتباك الناعفة بالنجيع والدخان والصليات والهدير الرّاعد.
وهذا هو شهر الأرض الفلسطينيّ الدافئ المفاجئ، المندفع الماحق الحالق، النابت الفوّار الموّار، الذي أعاد توحيد المدائن والعباد، ووضعهم على خطٍّ واحدٍ مبهجٍ ومضيء، أمام الغول.
ويأتي يومُ الأرض، الآن، تحت أقواس النيازك، وهي تدفُّ بسحائب اللهب العلويّ، رجراجاً كأفواه الغرقى بالصراخ، أو كقلب جرفته الزغاريد.
شهرٌ يبدو كباقي شهورنا، منذ النكبة إلى المذبحة المكرورة، وينوء بالدم والياسمين والركام والأغاني المذبوحة، لكنه يمتدّ فينا كمِزَق الزعتر والدحنون والحنّون، ويفجّرنا مثل حبّ الزيتونِ تحت بَدّ الأيام، ويصعد فينا كورق الطيّون في الجبل!
شهرٌ لن تنساه الشواطئ والأُمّهات والبيوت، ولن يغفر لصفحاتٍ مزورّة استهانت بالتلاميذ والصنوبر، وسرقت زهر الشباب، حين كان العُرْسُ على شفة النَهر المقدّس.
شهر يبتدئ بالبراعم لتتشح النساءُ بالشقائق، وتستعيد رمالُ الساحل شهوتها الواضحة، ويتّحد حليب الوالدات بالأحزمة، ويتتوّج بشهداء اللوز، وحنّاء الميجانا، وبياض الحجارة الداكنة.
شهرٌ نسيّه العالَمُ لكنه طازج في ذاكرة نشيدنا، كالطفولة والأرض والقمح البلدي.. يضمّخ أزقتنا بعسل الصهيل، وجمر المصاطب، وحنين غابات الأرز إلى ربّة المطر .
ويتسع حُلم الميلاد لأننا منتصرون منذ أول مذبحة، وقبل غبش المغرب على عتبات دير ياسين، أو غموض الجماجم في الدوايمة، حتى استعار الخناجر في صبرا الثانية، وصولا إلى المجزرة المدوّية في غزّة، من تاريخ الدم المحروق..
فيا أيّها القتلة! نحن لا نخسر بل أنتم الخاسرون. أوَ لّمْ تروا تعلّق الحجارة في الأكفّ الصغيرة، أوَ لَمْ تدركوا، بعد، أن شرياناً واحداً خلف ليالي القضبان يتّسع لكلّ كواكب السماء ونجومها، وبحار الأرض ومحيطاتها، أوَلم تدركوا أن الرجال خلف أكوام الهَدْمِ، المتربّصين بالقتلة المرعوبين، قد أسّسوا لتقويمٍ علّم الخلائقَ كيف تنتصر لكرامتها!
ومنذ أن حطّوا ثيابهم الحديدية على أرضنا، وهم يستَنْطِقونَ حجارةَ الشّيطانِ لعلّها تقدّم لهم وثيقة أرخيولوجيا تمدّهم بشرعيّة، لن يجدوها، لأنهم لم يكونوا يوما هنا.
فكلّ ما في الأمرِ؛ أن البيضَ الوحوشِ، المسلّحين بالمسدس اللامع السريع، الملغومين بالعنصرية المقيتة، وبالأوهام التلمودية، وبالفوبيا من الأغيار..حاولوا، دون جدوى، أن يجلوا التصاويرَ والنّقوش الصخرية، فلم يجدوا إلا راقات زمنِ أهل البلاد، الموثَّق الطاهر الظاهر! ومع هذا اخترعوا بديلا..وجعلوا للخرافة قواماً لتأخُذَ الأرضَ البريئةَ، استنادا على ديماغوجيا مُلفّقة، لتبرير رجوعهم إلى الوطنِ المُقدَّس وأرض الرّبّ! وألحفوا، عبر الإعلام والصورة والخَبَر، على تهويد المعرفة في العالَم..ومع هذا؛ خسروا المرافعة، وخرجوا من إطارٍ احتكر صورةَ الضحية عقودا ثقيلة.
سيَخرجونَ من البئرِ المظلمة، بفعل النار المطهّرة، وستبقى أرواحُهم في عتمة الرّطوبةِ الدموية اللزجة..ولن يجدوا غير التّيه سبيلاً للنجاة، فربّما استيقظت جِيناتُهم الأولى، وسيكفرون، ثانيةً، بالنبيّ، وسيعبدون العِجل، وينكرون المَنّ والسلوى..وربما لن يلقوا غير حطب بعيد، لن يُغني ولن يُسمن من جوع.
أما أصحاب التراب، الذين تخلَّقوا من طينه، فليس لهم غير أنْ يَشربُوا النّاي في ضوءِ أعراسِهم القادمة، لأنهم أهلُ الماءِ والنّارِ والريح، وهم، وحدهم، مَن أيقظ العشب في شهقات الربيع، وطرّزوا السهول بأثوابها الباذخة.
وربّما يبقى الجرْحُ على دَمِهِ، ولن يتخثّر قريباً، لكننا نأخذ نعمانه، لنرسمَ به خارطةَ الغدِ، ليتوهّج، ويدلّ السائرين، ليعودوا إلى أرضهم الأولى، غير منقوصين.
ويسالني صديقي: ما هي أسماء الأخوة والرفاق الذين كنت معهم في الغرفه المغلقه بالقضبان الغليظه؟
انا أعرف أن لهم اسماً واحداً هو المذبحة، والآخرون يسمّونهم الشهداء مع وقف التنفيذ! أما أنا فأعتقد أن الأرض لها مائة اسم هي أسماؤهم.
وسأل: هل ستبقى البلاد، والطرقات موحشة، وخطوات الغرباء ثقيلة، والحصار على أشدّه، والزمن اثنان؛ زمننا البطيء المقيّد..وزمنهم المفتوح الحداثيّ كالمقصلة؟ نعم. الطرقات موحشة، ويسيطرون عليها بالسواطير والحرائق والرصاص والجنون! لكنّ أشجارنا وفيّة وتعرف كيف تبقى على عَرْشِها الأبديّ أمام البيوت، لتحميَ الربيع، وحتى لا يأخذه الجنود معهم إلى الموت.
قال: وثمة عويل طويل يقطّع الليل ويذبح الأوردة؟
نعم .إنه رذاذ التراجيديا المصوّحة، ودموع المظلمة الباهظة ودماء صغارها، وثمّة فتى يكتب بفرشاة الألوان على الحيطان، ما يشقّق الوحشة، ويشقّ الباب، ليدخل النور، ويبدأ النداء.
وقد يبدو أنّ درس العودة، اليوم، في الطين الموحل، والصنوبر الجاف يضخّ هواءً قديماً، وأُمّ الشهيد لا تجد رغيفا أو يدا على كتفها، لكنّها تعي جيّدا أن لحم التفاحة يغري الكسالى، الذين ينامون حتى القلق، والبندق المشعّ في عينيّ الذئبة لا يجد أرضاً ينبت عليها، وأنّ السبحة الحجرية تصطك مثل أسنان المذعور في يد الخائن، الذي لايدري كيف يخطب..أمام الناس.
لعل هذه السنة للظمأ والجحيم، الذي يخنق الكوخ ويشويه، لكنّ مياها كثيرة ستدفق في الحقول، حتى تستعيد الحياة، من جديد.
بيومِ الأرض؛ سنَتلوَ فاتحةَ الأحياء.
بيوم الأرضِ؛ تعودُ الأرضُ لتعلنَ خاتمةَ الأشياء.
---------------------------
بقلم: المتوكل طه
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري