الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 20.9°C
رئيس التحرير مجدي شندي
عظات القدس

عظات القدس

ربما تكون هبة القدس الأخيرة فتيل اشتعال لانتفاضة فلسطينية رابعة ، فباستثناء الانتفاضة الأولى التى بدأت فى نهايات 1987 ، وكانت شرارتها الأولى من مخيم "جباليا" بقطاع غزة ، وتوقفت مع عقد "اتفاق أوسلو" وإقامة السلطة الفلسطينية المقيدة ، بعدها تحولت القدس المحتلة إلى عاصمة الانتفاضات الفلسطينية اللاحقة ، بدأت منها شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى 28 سبتمبر 2000 ، ثم  شهدت ذروة حوادث الانتفاضة الفلسطينية الثالثة من أكتوبر 2015 إلى نوفمبر 2016 ، وقد عرفت فى سيرة الكفاح الفلسطينى المعاصر باسم "انتفاضة السكاكين" .

وقد لا يكون مهما ترقيم الانتفاضات الفلسطينية ، وما إذا كنا بانتظار الانتفاضة الرابعة أو الثالثة بحسب الكتابات السيارة ، فلم يتوقف نضال الشعب الفلسطينى عبر مئة عام مضت ، وبالذات فى العقود الأربعة الأخيرة ، التى بدا فيها انصراف العرب ظاهرا عن قضيتهم المركزية ، وتخلت عنها الأنظمة ، ثم بدا الكثير منها فى حالات تطبيع وتحالف مفضوح مع كيان الاحتلال الإسرائيلى، ثم سرى التحلل فالانقسام فى بدن الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها ، وتداعت صراعات الفصائل وحواراتها ، التى لا تنتهى غالبا إلى شئ فارق ، وبالذات فى العقد ونصف العقد الأخير ، منذ صدامات "حماس" و"فتح" فى غزة ، لكن حيوية الشعب الفلسطينى صمدت فى الميدان ، وقاومت التدهور الرسمى وبؤس الأوضاع السياسية العامة ، وكانت انتفاضة 1987 تعبيرا مبكرا عن حيوية الإبداع الفلسطينى الشعبى ، والتحقت بها وقتها فصائل كبرى ، وشهدت الميلاد الأول لحركة "حماس" ، إضافة لدعم حركة "فتح" وفصائل منظمة التحرير ، وكان رمز "الحجارة" أيقونتها الذهبية الطاغية ، كانت الحجارة و"المقلاع" سلاحها العفوى الأعظم تأثيرا فى مواجهة جيش الاحتلال ، وتفجرت حوادثها بعد واقعة بدت عادية متكررة ، فقد دهست شاحنة إسرائيلية عمالا فلسطينيين عند معبر "إيريز" بين غزة والأراضى المحتلة منذ نكبة 1948. 

وعبر سنوات الانتفاضة الأولى المتوهجة ، قدم الشعب الفلسطينى ما يزيد على ألف شهيد ، فى حين جرى إنهاك الجيش الإسرائيلى المحتل ، وإيقاع 160 قتيلا فى صفوفه ، ثم خبت الجذوة مع سراب "أوسلو" ووعودها العبثية ، التى لم يتحقق شئ منها مع نهاية مدة الخمس سنوات المقررة على الوصول للحل النهائى الذى كان مفترضا ، فلم تقم الدولة الفلسطينية كما وعدوا عام 1999 ، وكان ذلك سببا مباشرا فى انفجار غضب الانتفاضة الثانية ، وبالذات بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية برعاية الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون، واقتحام آرئيل شارون وجنوده للمسجد الأقصى ، وكان الراحل ياسر عرفات لايزال وقتها على رأس عمله قائدا لحركة "فتح" ، فيما كانت حركة "حماس" فى ذروة عنفوانها ، وهو ماساعد على انتقال من انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة الرصاص ، وعبر أربع سنوات سبقت اغتيال عرفات فى "المقاطعة" بالسم الإسرائيلى ، ودارت خلالها معارك ضارية ، كان أبرزها ما جرى فى اقتحام الجيش الإسرائيلى لمخيم "جنين" وغيرها ، وجرى تدمير 50 دبابة "ميركافا" إسرائيلية ، وإيقاع 1095 قتيلا إسرائيليا من الجيش وقطعان المستوطنين ، فى حين ارتقى 4412 شهيدا فلسطينيا. 

وكان رحيل عرفات ختاما للانتفاضة ، التى تورطت السلطة الفلسطينية بعد عرفات فى إيقافها أوائل عام 2005 ، لكن الحيوية المتدفقة للشعب الفلسطينى ظلت تؤتى أكلها ، وخاب رهان إسرائيل على نسيان الأجيال اللاحقة ، وعلى توريط الجهات الفلسطينية المتنفذة فى التنسيق الأمنى ، ومطاردة خلايا الفدائيين وتفكيك المنظمات المسلحة ، وجاء المدد الجديد من شبان وشابات ، ومن إلهام الدفاع عن المسجد الأقصى ، الذى حاولت فيه إسرائيل اختبار صلابة الأجيال الفلسطينية الجديدة ، ممن يظهرون بقصات شعر غريبة ، ويرتدون أزياء أغرب ، ربما لا تكون لها صلة مباشرة برمزية المسجد الأقصى الدينية ، ودار الصدام عنيفا متصلا دفاعا عن القدس ومسجدها العتيق ، وإبتكارا لطرق جديدة فى مواجهة عنف المحتلين ، وتوالت حوادث طعن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين ، وسرى الفزع فى نفوس الإسرائيليين جميعا ، وانهارت السياحة فى كيان الاحتلال ، وعبر عام كامل بدأ فى الأول من أكتوبر 2015 ، سقط فيه 35 قتيلا إسرائيليا ، فيما فاضت أرواح 245 شهيدا فلسطينيا ، كلهم ذهبوا فداء للقدس ، ولأرواح عائلة "الدوابشة" ، التى أحرقها المستوطنون الإسرائيليون المتطرفون وهى نائمة فى منزلها بإحدى قرى "نابلس" ، ولم تتوقف "انتفاضة السكاكين" إلا بخطايا التنسيق الأمنى مع جيش الاحتلال .

وكان لافتا ، أن تكون "القدس" عنوان الانتفاضات الأبرز ، برغم إعلان إسرائيل قرارها ضم القدس كلها منذ أواسط 1980 ، وبرغم تأييد الكونجرس الأمريكى للقرار الإسرائيلى أواسط تسعينيات القرن العشرين ، وبرغم نقل الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب لسفارة واشنطن إلى القدس ، وهو القرار الذى لم تتراجع عنه إدارة جو بايدن الأمريكية الحالية ، التى تتيح لإسرائيل مواصلة التوسع بالاستيطان فى الضفة والقدس ، ومضاعفة وتيرة "تهويد" القدس ، وحصار أهلها بمنعهم من البناء فى أغلب أحياء إقامتهم ، وبإقامة أطواق من المستوطنات اليهودية شرقى القدس ، وشق طرق عازلة ، ومضاعفة الحفريات المهددة لأساسات المسجد الأقصى ، وقلب التوازن السكانى لصالح اليهود المستعمرين فى المدينة المحتلة ، التى ظلت صامدة بمئات الآلاف من سكانها العرب الفلسطينيين ، وبتزايد حيوية أجيالهم الشابة ، التى والت صمودها وبسالتها فى مواجهة جيش الاحتلال وشرطته ، وهمجية حركة "لاهافا" ـ اللهب ـ اليمينية الإسرائيلية المدعومة من حكومة بنيامين نتنياهو، وفشل كل هؤلاء فى حرب شوارع عنيفة فى حى "باب العامود" وغيره على مدى أسبوعين كاملين ، أصيب فيها المئات من الشبان الفلسطينيين ، وجرى اعتقال العشرات ، ومن دون أن تلين عزيمة المقدسيين ، لا فى حى "باب العامود" ، ولا فى "الشيخ جراح" ، ولا فى "التلة" "الفرنسية" ، ولا عند مداخل المسجد الأقصى كلها ، وإلى أن انتصرت إرادتهم ، واضطر جيش الاحتلال إلى إزالة حواجزه ، وتدفق عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى ، يؤكدون عروبة القدس بإسلاميتها ومسيحيتها ، ويطلقون نداءات تحرير جمعت حولها الفلسطينيين من مدن الضفة إلى عرب الداخل إلى غزة ، التى تدافعت رشقات صواريخها الهازئة بقبة إسرائيل الحديدية. 

وكأن الشعب الفلسطينى وجدها فرصة ليقول كلمته ، التى لايصح أن تعلوها كلمة أخرى ، فالشعب الذى أدار ثلاث انتفاضات ومثلها فى حروب غزة ، وقدم ما يزيد على عشرة آلاف شهيد فى العقود الثلاثة الأخيرة وحدها ، إضافة لعشرات الآلاف من الجرحى ، مثل هذا الشعب لا يقبل الوصاية من أحد ، لا من عرب التطبيع والخذلان ، ولا حتى ممن يفرضون أنفسهم عليه كزعماء وقادة فصائل ، بانتخابات أو بغير انتخابات ، لا تقدم جديدا يذكر ، سوى ادعاء الرهان على تسوية ، أو العودة لمفاوضات بليدة ، لن تنتصر أبدا للحق الفلسطينى ، ولا حتى فى حدوده الدنيا ، فالذى أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ، وهو درس تعرفه كل الشعوب الحية ، التى لم تحفل أبدا باختلال موازين السلاح لصالح المحتلين. 

فأى احتلال ، ومهما كانت طبيعته وسلطانه ، يجلو وينتهى فى لحظة فارقة ، تأتى عندما تصبح تكاليف بقاء الاحتلال أعلى من فوائده المحققة ، ودور أى شعب تحت الاحتلال ، أن يضاعف التكلفة على المحتلين ، أن يضاعف تكلفة الدم وتكلفة الأمن ، وأن يستنزف وينهك قوة العدو ، وهذا هو الطريق الوحيد لتعديل موازين القوى الشاملة ، ولدى الشعب الفلسطينى طاقات لا تنفد ، وكثافة بشرية هائلة على الأرض المقدسة ، تناهز وتفوق الموارد البشرية لكيان الاحتلال ، إضافة لمقدرة أسطورية على احتمال التضحيات ، لا يملكها كيان العدوان ، الذى يرتعب من صاروخ شارد  قرب "ديمونة" ، ومن نصل سكين فى طية ملابس شاب أو شابة فلسطينية ، فما بالك بسيول الحجارة أو برشقات الرصاص والعمليات الاستشهادية ، وبانتفاضة الناس التى تصنع المستحيل.

وقد نجحت الانتفاضة الثانية فى إجبار الاحتلال على الجلاء عن "غزة" ، وتفكيك المستوطنات اليهودية السبع التى كانت فيها ، وما من سبيل لتحرير لاحق ، سوى بالإنصات لكلمة القدس ومسجدها الأقصى ، فهى وحدها الكفيلة برد الاعتبار للحق الفلسطينى ، وبناء تصور شامل لمعنى المقاومة الشعبية ، يدمج التظاهر والاعتصام برمى الحجارة بجرأة اقتحام الرصاص ، وتتنوع فيه الأدوار ، ويؤدى فيه كل طرف ما يستطيع ، ومن دون العودة مجددا إلى أوهام "أوسلو" ومتاهاتها ، التى لم تخدم أحدا سوى الاحتلال وجيشه وقطعان المستوطنين ، ووفرت سنوات ممتدة من الهدوء لكيان الاغتصاب ، ضاعف فيها مستوطناته وحركته "التهويدية" ، وزادت من اتساع خروق التطبيع (العربى!) الرسمى مع كيان الاحتلال ، وسحبت من رصيد حماس الشارع العربى والضمير العالمى لأولوية ونصاعة الحق الفلسطينى ، بينما نداء القدس وعظاتها وانتفاضاتها ، هى وحدها التى ترد الروح ، وتعيد النجوم التائهة إلى مداراتها الأصلية .
---------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
20.9°C
توقعات الساعات القادمة
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
24.1°C
24.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

زهايمر!

هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية

إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...