ضوء | الرجولة والأنوثة (1)
يخطر في بالي الآن رواية (في بيتنا رجل)، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي، وأظن إن الأغلب ممن في جيلي شاهد الفيلم، أو قرأ الرواية للكاتب الرائع إحسان عبدالقدوس، والرجل البطل المقصود في الرواية، يختلف عن جميع الذكور الموجودين في ذلك البيت البسيط، مثل الأب الطيب النبيل (حسين رياض)، أو الأخ المحدود التفكير والذي يمثل النمط الذكوري الاجتماعي السائد (حسن يوسف)، أو القريب الذكي الانتهازي الذي يتصيد ويقتنص الفرص (رشدي أباظة)، ليظهر بينهم فجأة رجل حقيقي (عمر الشريف)، صاحب المبدأ، المؤمن بقضية، والمستعد أن يضحي بحياته من أجلها.
الرجولة هنا تعني التضحية والإيمان بالحق والمبدأ، والصدق والإباء والكبرياء والكرامة والجدية، هذا المقياس الحقيقي للرجولة، وبالطبع الرجولة في تحمل المسؤولية، وتتمثل في الاب المسئول عن إعالة جميع أفراد أسرته، ورعايتهم وحمايتهم والاعتناء بهم، فالرجولة ليست في القوة والعنتريات والعضلات المفتولة، مثل قاتل زوجته في مدينة الرياض، الذي يعتقد في نفسه إنه تصرف كرجل عندما رأى زوجته تخرج وتقود السيارة بلا موافقته، لكنه بتصرفه الإجرامي أظهر إنه أدنى الكائنات جميعًا وليس فيه ذرة من الرجولة.
والأنوثة ليست في التبرج الطاغي المقرف، ولا في عمليات التجميل، بل في البساطة والذكاء، والأنوثة ليست بالتباهي بالماركات الباهظة، ولا بارتداء الملابس الثمينة والحرير والذهب والألماس، ولا باقتناء أفخم السيارات والأثاث.
الأنوثة تتمثل في الحب والحنان والعطاء والرحمة والمودة، في الجمال الروحي الذي لا يشيخ، الأنوثة تتمثل في الصدق الروحي والفهم العقلي والحب المخلص الوفي، الأنوثة تكمن في التفهم والمرونة والتقبل والتسامح.
مفهوم الرجولة الحقيقية يظهر ويتجلى في حب الزوجة والأبناء، في احترام الأسرة، لا في السيطرة عليها، ولا في التعامل وكأن جميع أفرادها عبيد له، الرجل الحقيقي يظهر في مساعدة جميع أفراد أسرته لتحقيق أحلامهم وأهدافهم، في حمايتهم وتشجيعهم، ماذا تريد المرأة سوى رجل يحترمها ويخاف عليها ولا يرضى بإهانتها؟ رجل يحميها ويدافع عنها وقت الشدة والخطر، رجل يقف بجانبها عند تعرضها لموقف صعب، إن الرجل الذي يتفرج على زوجته وهي تُضرب مثلًا أو يتم التحرش بها ولا يحرك ساكنًا ليس برجل، لكن إذا تصرف بحماقة، مثل أن يقوم بقتل المتحرش، فالزائد كالناقص تمامًا، أي إن الرجل الأحمق كالرجل الجبان، كلاهما لا يمثلان الرجولة الحقة التي تعني الحكمة والشجاعة معًا.
الرجولة الحقيقية ليست فيمن يركب السيارة الفارهة، ولا فيمن يشغل وظيفة الوزير أو المدير، ولا فيمن لديه الدخل الوفير، بل الرجولة في المعاملة، لأن الدين المعاملة، والإنسان الملتزم الحق ذكرًا أو أنثى إذا حدّث صدق، وإذا وعد أوفى، وإذا أؤتمن صان.
الرجولة الحقة ليست في حلو السلام ومعسول الكلام، بل في الفعل والتصرف والممارسة، فما أكثر من يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك عند الفعل كما الثعلب، الرجولة قول وفعل.
وللشباب خاصة أقول: الرجولة ليس في أن يتصرف بعض الأبناء بأنهم ولاة على أخواتهم وأمهاتهم، وهم يقبضون منهن مصروفهم اليومي، والرجولة ليست في المظاهر الكاذبة، ولا في تدخين السجائر أو الشيشة أو الحشيشة، بل في الآمال والطموحات، في الجد والعمل، لا في النوم والكسل.
والأنوثة ليست في الدلع والكلام المائع وليست في التصنّع والبهرجة، ولا في الهرولة خلف آخر صيحات الموضة، ولا في الاتكالية والطفيلية، بل في تحمل المسئولية والدقة وإتقان العمل، أيّا كان ذلك العمل.
الأنوثة تكمن في الذكاء العاطفي والروحي والعقلي، في حسن المعشر والأخلاق في احترام الآخر، وخاصة الزوج والأبناء، والأنوثة ليست في طول اللسان بل في حسن الكلام، وليست في الحرية المطلقة، بل في الحرية المسؤولة.
والرجولة ليست في الشدة بل في الحكمة، وليست في القوة بل في العقل وقوة الشخصية، وليست في اللسان بل في القلب، ويُعرف الإنسان على حقيقته في المواقف، تتكشف لك الشخصية ويظهر المعدن على أصله في الموقف.
فيا أيها الآباء والأمهات، يا من بأيديكم الأمر، أنتم تستطيعون أن تصنعوا الرجال وليس أشباه الرجال، وتصنعوا النساء الصالحات، فالتربية هي الأساس، فإن غرستم في نفوس أبناءكم الخصال الثلاث: الصدق والأمانة والوفاء، وإن سرتم على نهج أشرف المرسلين، في الحديث الشريف: "لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وآخه سبعاً، ثم ألق حبله على غاربه"، فحتمًا أنتم الفائزون.
ولاعب تعني ألعب معه ولا تعني الدلع، فلو أطال لسانه أشكمه، ولو تصرف بشكل خاطئ علّمه الصواب منذ نعومة أظفاره، ولقد رأيت أمامي حالات كثيرة مزرية مثل أن يصرخ الطفل في محل عام ويثير الصخب والفوضى ولا يحرك والداه ساكنًا!
وأدبّه لا تعني العنف والقسوة، بل تعني الاعتدال في التربية والتوجيه والإرشاد.
وآخه أي صادقه وأسمع منه وأفهمه، والبعض يقول إنه ليس بحديث نبوي، وإنما مرويّ عن السلف، ونُسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وما يهمنا تطبيق القاعدة التربوية تلك.
وفي الختام نقول إن الرجولة أو الأنوثة ليستا في الجسد أو المظهر بل في الجوهر، وجوهر المرء قلبه وعقله وأفعاله.
------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة السلام والنوايا الحسنة - المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري