ترنيمة عشق| النّبي يستأذن الغلام
في بيئة جاهلية لم تدرك أنّ عاطفة الأبوة أمرٌ فطري جُبِل عليها الإنسان والحيوان، فشكّلت آباءً تيبَّست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وخلقتْ قلوبًا تستهين بمشاعر الصّغار؛ أدَّتْ إلى أن تصبح نفوس الأبناء مشحونة بالكراهية تجاه منِ انتكستْ فطرته؛ سيما لو بُشر بمولود له أنثى، فيظل وجهه مُسودًا وهو كظيم، ولا يطيب نفسًا إلا إذا وأد ابنته حيةً بأن يدسّها في التّراب، بدلًا من أن يمسكها على هونٍ وعارٍ؛ هكذا صوّر له خياله المريض وعادات قميئة لم ينزل الله بها من سلطان، وتقاليد تجعله يتوارى مِن القوم من سوء مابُشّر به. فكانت تلك البيئة الجاهلة في أمَسّ الحاجة لمن يُلقّنها درسًا عمليًّا في كيفية التّعامل مع الأبناء؛ بناتًا وصبيانًا، بل وتقيم لهم وزنًا.
جاء الهادي البشير ليُعلم الإنسانية تقدير الصّغار، نراه يُقعِدُ طفلًا إلى يمينه في مجلس للكبار، فيأتي الشّراب ليشرب منه؛ فيستأذن من الغلام ليبدأ بإكرام الشّيوخ الذين هم عن يساره، فيرفض الغلام قائلًا: لا والله لا أُوثر نصيبي منكَ أحدًا. فلم يعاتبه النّبي أو يعنفه أو يجبره على التّنازل عن حقه! ويزيد في احترام نفسية الطّفل حين يرى امرأة تنادي وليدها وهي تغويه بهدية كي يأتيها، فينبهها النّبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: "أمّا إنّك إن لم تعطه شيئًا كُتبت عليك كذبة"، وفي هذا عدم الاستهانة بمشاعر الأطفال.
جاءه البدوى فنهره؛ حين علِم أنّ لديه عشرة من الأبناء لم يُقَبّل أحدهم أبدًا؛ فيقول له الرّسول الكريم: "مَن لا يرحم لايُرحم"، ولما دخل على ابنه "إبراهيم" وهو يجُود بنفسه (على وشك الموت)؛ قال له: اصبرْ واحتسبْ، بَيد أنّ عَين الأب فاضتْ شفقًا وعطفًا وحنانًا؛ فلما سُئل قال: "إنّها رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء"، ولمّا سمع عن غلام يهودي مريض؛ ذهب فعادَه، وطلب منه أن ينطق بالشّهادة، فلما نطق؛ حمد المصطفى ربه الذي أنقذ الغلام من النّار.
لم يفاضل قَط بين ذكر وأنثى؛ فكان يصلي حاملًا حفيدته "أُمامة"، فإذا سجد وضعها على الأرض، وإذا قام حملها ثانيةً، كذلك فعل مع "الحسن" و"الحسين" أبناء السّيدة "فاطمة" رضي الله عنها، وذات مرة أطال سجوده؛ لأنّ أحدهما ركَب على ظهره الشّريف، فلما سُئل قال: "ابني ارتجلني، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضي حاجته"، ولما دخل عليه "عمر بن الخطاب" ورآه يحمل "الحسن" و"الحسين" على ظهره؛ قال: "نِعْم الفرَس تحتكما"، فقال النّبي: "نِعْم الفارسان هما"، ولمَّا خرج ذات يوم شارك طفلًا صغيرًا اللعب بعصفوره لأجل أن يُدخل الّسرور على قلبه.
كان يدلِّل؛ ويلاطف؛ ويشفق على أبناء المسلمين كافّة، يهنّئ بميلادهم ويحنّكهم (يلوك أفواههم بالتّمر فور ولادتهم)، يسمِّيهم، يباركهم، يحث المسلمين على الابتهاج بمقدمهم، ويدعوهم للعقيقة عنهم يوم سابعهم، بل ويَشهد بنفسه تلك الولائم إعلاءً لشأنها كي يُدخل الفرح على قلوب الوالدين، وذات مرة أتته طفلة صغيرة ترتدي قميصًا أصفر؛ فبُش لها وقال: "أبلِي وأخلقي"؛ أي أنّك ستعيشين حتى تستهلكي الكثير من الثّياب، وهو دعاء بطول العُمر، فبقيتْ حتى طال عمرها وذكّرها الناس بقوله -صلى الله عليه وسلم-، حمل غلامًا ذات مرةٍ فبالَ عليه؛ فلم ينهره ولم يتأفف بل دعا بماء لينظف ثوبه، وكان إذا سمع بكاء طفلٍ في الصّلاة خفف؛ كي لا تنشغل الأم بوليدها؛ وكراهية أن يشقَّ عليها.
كان يُدلل زينب ابنة زوجته "أم سَلمة" ويناديها "يازنّاب"، وأجاز لابنته أن تجير زوجها وتفتديه من الأسر بقلادتها، رغم أنه بقِي على شِرْكه، لكنها أجارته إكرامًا للعِشرة التي كانت بينهما، مما حدا بأبي بكر الصّديق أن ينادي ابنته "عائشة"-رضي الله عنها- بـ "أمي"، وروى "أنس ابن مالك" كيف أنّه لم ير أرحم من النّبي بالعيال، فقد كان يزور البادية خصيصًا ليرى ولده "إبراهيم" ويُقبّله - في فترة استرضاعه كعادة العرب آنذاك - وكان يتردد على ابنته "فاطمة" ليستمتع بمرأي ولديها ويشمهما.
حياته كلها قضاها في جهاد؛ وتبليغ؛ واستقبال وفود؛ وقيادة أُمة؛ وبناء دولة؛ وتعليم؛ وبعث رُسل وسَرايا؛ لكن كل ذلك لم يشغله عن أطفال المسلمين أو يحجب عطفه على أبنائه، فلم يتوان في تعليم أحفاده دينهم وكيف تكون علاقتهم مع الخالق، ولم يغض الطرف عن حفيده الصغير حين مد يده لتمرة يود أن يستطعمها فيرفض النّبي ويخرجها من فمه لأنها مخُصص للصّدقة، والنّبي لا تحل له الصّدقة ولا لآل بيته؛ وفي هذا تعليم للصّغار على توخي الحذر من الحرام مهما صغُر شأنه.
لم يكن غريبًا أن يراه النّاس كلما دخل المدينة وقد ركب معه على ناقته بعض الصّبيان، والفرح والحبور يغمره وهو يلاطفهم، ويعلمهم: "يا بني؛ احفظ الله يحفظك..."، لم يكن ينصح بشيءٍ قط ولم يأت بمثله، فكان في عبادته وحيائه وخشوعه ورقته ومساعدته لأهل بيته وتبسمه وتواضعه ولين جانبه؛ ما يجعلهم يتعلمون منه سلوكيًا دون الحاجة لكثير من الكلام، لذا جاء من صُلبه ومِن أصلاب المسلمين في هذه الفترة على وجه الخصوص رجالٌ ونساءٌ عِظام أصبحوا نجومًا هادية للبشرية، ومن اهتمامه الشّديد بتعليم النشء؛ كان يطلب من الأسير الذي يود أن يفتدي نفسه أن يُعلِّم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، ليُعدَّ جيلًا متعلمًا يقود الأمة مِن بعده.
جاءه أحدهم يبلغه أنه أهدى واحدًا من أبنائه، فيسأله النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعطيتَ سائر ولدك مثل هذا؟" فينفى الرَّجل، فيقول له: " فاتقوا الله وأعدلوا بين أولادكم"، وجاءه أنَس يحمل ولده على فخذه وابنته بين يديه؛ فيقول له النّبي: "ألا سويتَ بينهما؟"، كان يمسح خدود الأطفال رحمةً بهم وإعجابًا، واحترامًا لذات الطّفل وقيمته، وأمر باحترام عقولهم وآرائهم وعدم تسفيهها، وفي ذلك ما من شأنه يجعله ينمو عقليًّا وعاطفيًّا واجتماعيًّا بشكل سَوِي.
------------------------
بقلم: حورية عبيدة
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري