إيران تعيد تعريف الردع في الشرق الأوسط
شهد الشرق الأوسط خلال الأشهر الأخيرة تطورات عسكرية وسياسية متسارعة أعادت إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع وموازين القوة في المنطقة. وبينما اعتادت المنطقة على أنماط محددة من الردع والتصعيد، تبدو الأحداث الأخيرة وكأنها تؤسس لمرحلة جديدة قد تحمل تغيرات مهمة في قواعد الاشتباك بين القوى الإقليمية. فهل نحن أمام تحول حقيقي في معادلات الردع، أم أن ما جرى يبقى مجرد محطة ضمن صراع طويل لم تتضح ملامحه النهائية بعد؟
لم تعد القضية مجرد ضربات عسكرية عابرة ضمن سلسلة طويلة من المواجهات المتبادلة في الشرق الأوسط، بل تبدو وكأنها لحظة فارقة أعادت طرح أسئلة قديمة حول موازين القوة والردع في المنطقة. فالمشهد الذي اعتادت عليه المنطقة لعقود كان يقوم على معادلة واضحة: إسرائيل تبادر بالفعل العسكري، بينما يظل الرد من خصومها محكوماً بحسابات معقدة تتعلق بالكلفة والنتائج واحتمالات التصعيد.
لكن التطورات الأخيرة دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن هذه المعادلة التقليدية تشهد تحولاً تدريجياً. فبدلاً من انتظار الضربة ثم التفكير في الرد، برزت إيران باعتبارها طرفاً قادراً على المبادرة، الأمر الذي وضع إسرائيل في موقع المترقب والمهدد بالرد، وليس المبادر بالفعل كما جرت العادة في العديد من المحطات السابقة.
هذا التحول لا يمكن قراءته فقط من زاوية الحدث العسكري ذاته، بل من خلال الرسائل السياسية والاستراتيجية التي يحملها. فالدول لا تقيس نجاح عملياتها العسكرية بعدد الصواريخ أو حجم الأضرار فقط، وإنما بقدرتها على فرض معادلات جديدة في ميزان الردع. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن طهران سعت إلى توجيه رسالة مفادها أنها لم تعد تكتفي بردود الفعل، بل أصبحت مستعدة للمبادرة عندما ترى أن مصالحها أو نفوذها الإقليمي يتطلبان ذلك.
الأهمية الحقيقية لهذه التطورات تكمن في تأثيرها على صورة القوة في المنطقة. فالردع ليس مجرد تفوق عسكري، بل هو قدرة على إقناع الخصم بأن أي خطوة يقوم بها ستقابل برد مؤلم أو مكلف. وعندما ينجح طرف ما في فرض هذه القناعة، فإنه يحقق مكسباً سياسياً يتجاوز حدود الميدان العسكري.
وفي هذا السياق،أعتبر أن إيران تمكنت من تعزيز مكانتها كلاعب رئيسي في معادلة الصراع الإقليمي، وأنها استطاعت فرض نفسها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. كما يرى أنصار هذا الرأي أن ما حدث يمثل كسراً لحاجز نفسي وسياسي ظل قائماً لعقود طويلة، حيث لم تتمكن قوى عربية عديدة من الوصول إلى مستوى مشابه من التأثير المباشر في معادلات الردع مع إسرائيل.
ومع ذلك، تبقى الصورة أكثر تعقيداً من الأحكام السريعة. فالتاريخ السياسي والعسكري للمنطقة يثبت أن أي تغيير في موازين القوة لا يُقاس بلحظة واحدة أو حدث منفرد، بل بسلسلة من التطورات المتراكمة التي تثبت نفسها مع مرور الوقت. لذلك فإن الحكم النهائي على ما إذا كانت قواعد الاشتباك قد تغيرت بالفعل سيظل مرتبطاً بما ستكشفه المرحلة المقبلة من ردود الأفعال والتحركات الإقليمية.
ختامًا، من المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مختلفة، وأن الأحداث الأخيرة فتحت الباب أمام واقع جديد قد يعيد رسم حدود النفوذ والتأثير بين القوى المتصارعة، ويجعل المنطقة أمام معادلات لم تكن مطروحة بالشكل نفسه في السنوات الماضية.
-------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
الحس الوطنى بين الاعتزاز القومى والدونية
إما أنْ يتم إلغاء نظام الكفيل.. أو كفيل مصرى لكل مواطن خليجى على أرض مصرالظروف الاجتماعية التى تتعرّ...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري