الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 القاهرة 21°C
رئيس التحرير مجدي شندي

"يحيى الطاهر عبد الله وأنسنة المكان".. ندوة فكرية تضيء فضاءات الجنوب في معرض الأقصر الرابع للكتاب

"يحيى الطاهر عبد الله وأنسنة المكان".. ندوة فكرية تضيء فضاءات الجنوب في معرض الأقصر الرابع للكتاب
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:17

تحت رعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، وضمن محور جسور الفكر والثقافة (الأقصر.. عراقة الوجود الإنساني)، أقام معرض الأقصر الرابع للكتاب – الذي تنظمه الهيئة المصرية العامة للكتاب – ندوة فكرية بعنوان "يحيى الطاهر عبد الله وأنسنة المكان"، أدارها وقدم لها الدكتور حمد الله عبد الحكيم أستاذ الأدب العربي والبلاغة والنقد الأدبي، بحضور نخبة من الأدباء والباحثين والمثقفين.

في كلمته الافتتاحية، عبّر الدكتور حمد الله عبد الحكيم عن سعادته بعودة معرض الأقصر للكتاب بعد انقطاع لسنوات، واصفًا إياه بأنه "عرس ثقافي مضيء يضيء سماء الأقصر"، موجّهًا الشكر لوزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، والمهندس عبد المطلب عمارة محافظ الأقصر، والدكتور خالد أبو الليل رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، والشاعر حسين القباحي مدير بيت الشعر، والدكتور محمد حساني مدير مكتبة مصر العامة بالأقصر، وكل من أسهم في عودة هذا الحدث الثقافي الكبير.

ثم قدّم مدخلًا حول مفهوم الأنسنة، موضحًا أنها مصطلح أسلوبي ينطوي على انزياح بلاغي، إذ يمنح المبدع للأشياء الجامدة صفات الإنسان فيجعلها مؤنسة تشعر وتحس. فالأنسنة – كما أشار – اكتشاف لا اختراع، إذ تعود جذورها إلى الشعر العربي القديم الذي أضفى على الحيوان والطبيعة صفات بشرية، مثل قول المنخل اليشكري: "وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري". كما استشهد ببيت عنترة بن شداد: "يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي". وأضاف أن الشعراء القدماء أنسنوا حتى أصوات الذئاب والخيول، وجعلوا من الطبيعة كائنًا يشاركهم الوجدان والوحشة.

وانتقل عبد الحكيم إلى الحديث عن يحيى الطاهر عبد الله، واصفًا إياه بأنه "شاعر القصة القصيرة" الذي امتلك حسًا فنيًا خاصًا، وكان يحفظ قصصه عن ظهر قلب، ويكتبها بروح الشعر، حتى أن رواياته تتشكل من قصص قصيرة مترابطة، ما يعكس سيطرة الفن على رؤيته الإبداعية. وأوضح أن يحيى الطاهر أنسن المكان في أعماله، وجعل من البيئة الجنوبية كائنًا حيًا يشعر ويتنفس، فكانت أقاصيصه مرآة للمهمشين، وصوتًا لقضايا الإنسان البسيط الذي يرفض الانحراف عن قيم المجتمع وأخلاقياته.

ومن جانبه، تحدّث الدكتور صلاح أبو الوفا العادلي، رئيس قسم اللغة العربية السابق ووكيل كلية الآداب بقنا، مرحبًا بمعرض الأقصر الرابع للكتاب كمنبر للثقافة المصرية الأصيلة. وبدأ مداخلته بالتأكيد على أن أنسنة المكان في القصة والرواية تعني تحويله من مجرد خلفية جامدة إلى عنصر حي وفاعل له هوية ودور إنساني. فالمكان في رؤية الأدباء ليس مساحة جغرافية فقط، بل كائن يشارك في صناعة الحدث، ويتفاعل نفسيًا وعاطفيًا مع الشخصيات، حتى يصبح شريكًا في السرد لا مجرد ديكور.

وأوضح العادلي أن المكان عند يحيى الطاهر عبد الله يتحول إلى "بطل روائي"، يكشف ملامح الشخصيات وعمقها النفسي والاجتماعي، ويتجاوز الوصف السطحي ليصل إلى أبعاد رمزية وتاريخية وثقافية، مشيرًا إلى أن الباحثين – ومنهم الدكتورة أسماء خليل – تناولوا هذا البعد بعمق في دراساتهم النقدية، معتبرين أن الطاهر استطاع أن يجعل المكان يتحدث، ويتنفس، ويغدو مرآة لوجدان الناس.

وتناول العادلي كذلك هوية الجنوب المصري في أعمال يحيى الطاهر، مؤكدًا أنه نقل إلى الأدب عالم الصعيد بصدقٍ فني نابع من تجربة معيشة، لا من رؤية غريب. فهو ابن الجنوب الذي عاش تفاصيل بيئته وعاداتها، وكتب عنها بعين العارف المحب، ليصبح من أوائل من رسموا ملامح الجنوب في السرد العربي الحديث.

وفي مداخلة ثرية، عرضت الدكتورة أسماء خليل دراستها النقدية حول يحيى الطاهر عبد الله، موضحة سبب إطلاقها عليه لقب "الكرنكي"، وهو لقب مستوحى من جذوره وارتباطه العميق بالمكان، على غرار ألقاب أصدقائه عبد الرحمن الأبنودي "الخال" وأمل دنقل "الجنوبي". وبيّنت أن الطاهر ظل وفيًا لجنوبه حتى بعد انتقاله إلى القاهرة، حاملاً معه ذاكرة الجنوب وهموم المهمشين، فجعل المكان في قصصه شاهدًا على معاناة الإنسان.

وأضافت خليل أن المكان في أعماله – سواء في "الطوق والإسورة" أو "ثلاث شجرات كبيرة تثمر برتقالًا" – ليس مجرد خلفية للأحداث، بل كيان فاعل يكشف الصراع الإنساني بين الحلم والخذلان، والاغتراب والانتماء. فهو يُؤنسن الجبل والشارع والبيت، ويصف السقف بأنه "عارٍ" في إشارة رمزية لواقع الإنسان المجرّد من الأمان.

واختتمت الندوة بتأكيد المشاركين أن يحيى الطاهر عبد الله استطاع أن يجعل من المكان لغةً موازية للإنسان، ومن الجنوب فضاءً إنسانيًا نابضًا بالحياة والوجدان، ليبقى أحد أبرز من منحوا الجغرافيا روحًا، والبيئة صوتًا، والإنسان وطنًا داخل الأدب العربي الحديث.

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
21.0°C
توقعات الساعات القادمة
21.0°C
20.4°C
19.8°C
19.3°C
18.9°C
19.0°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية

 كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,994ج.م
عيار 21
6,120ج.م
عيار 18
5,246ج.م
الجنيه الذهب
48,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...