وداعاً سعد محمد رحيم
ربما كان من قبيل الصدفة أن اكتب منذ أسابيع قليلة مضت عن سعد محمد رحيم، الكاتب العراقى، صاحب رواية "مقتل بائع الكتب"، مُقارناً بينها وبين روايتين بارزتين فى تاريخ الأدب العربى الحديث تعرضتا للعلاقة بين الشرق والغرب، "عصفور من الشرق" لأستاذنا توفيق الحكيم، و"موسم الهجرة إلى الشمال" للسودانى الطيب صالح. تناول ثلاثتهم الغرب من خلال ثلاث عيون عربية خلال فترات متباعدة، الأربعينات، الستينات، التسعينات
وها أنذا أجد نفسى اليوم، أعود للحديث عن سعد راثياً إياه بعد ان فارق دنيانا فى التاسع من أبريل. لم يصمد قلبه أمام أزمة حادة اجتاحته تاركاً روايات ودراسات وجوائز، آخرها منافسته العام الماضى على جائزة البوكر العربية بروايته "مقتل بائع الكتب" وإن لم يقلل منحها للكاتب السعودى محمد حسن علوان عن روايته "موتٌ صغير" والتى تناول فيها سيرة مولانا ابن عربى، من قيمة سعد وروايته.
عاش متواضعاً، فرغم شهرته، كان يردد أمنيته كتابة رواية فى مستوى روايات نجيب محفوظ. حين تقرأه تسارع إلى تناول القلم والأوراق، تظن أن لا أسهل من سرد قصة، قصيرة أو طويلة، ثم تكتشف عُقم الأفكار، وجفاف ريق القلم، وتزاحم سطور الأوراق، فلا مساحة للكتابة ولا شئ لديك لتكتبه. فى روايته "غَسق الكَراكى" يعترف سعد أنه بعد ما نشر من روايات وما نال من جوائز ما زال بعيداً عن استحقاق لقب روائى مقارناً بينه وبين روائيين عالميين من أمثال، تولستوى، ديستوفسكى، وجابريل جارثيا ماكيز. يستحى حتى الوقوف على يسارهم.
لا تغيب أصداء الحروب التى خاضها العراق عن أحداث رواياته، وكيف لها أن تغيب وكل واحدة منها تكفى لزلزلة كيانه المرهف، الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، والتى عُرفت باسم حرب الخليج الأولى، ثم حرب الخليج الثانية 1990-1991، تحرير الكويت، ثم الغزو الأمريكى للعراق 2003 والتى استمرت حتى ديسمبر 2011. تكتنف أجواء الحروب خيالات أبطال رواياته، تؤرق نومهم، تهاجمهم كوابيسها، غارات جوية، انفجارات، قتلى، جرحى، علاقات إنسانية، ثقب يتسلل منه أنينه وعذاباته.
فى سرده شبه-الذاتى عبر روايته "ترنيمة امرأة" يقترب سعد من حدود اللغة الجسد، يمشى على حوافها، تتغير الأحداث بين كلوديا الإيطالية، وحنان العراقية، الأولى تمثل حاضراً حداثياً تحكمه قوانين وقواعد غريبة عليه، والثانية رحلت بعد صراع مع المرض، انتهى كالعادة لصالحه، لكنها حية حتى وهو مع كلوديا. إنها العراق التى فتكت بها أمراض الداخل ومؤامرات الخارج. يترك سعد لسامر (بطل الرواية) عنان الحكى والتجول بين الذكريات والشخصيات، من شواطئ إيطاليا، إلى جحيم الحرب العراقية الإيرانية، العلاقات الإنسانية بين المتحاربين متى التقوا وجهاً لوجه، إلى لقاءاته بحنان وهروبه فى مركب للقاء كلوديا. يظن من يقرأ الرواية أن سعداً أراد أن يكمل بها جوانب روايته مقتل بائع الكتب، إلا أن تواريخ الإصدار تأتى مخالفة لهذه الظنون مؤكدة أن ترنيمة امرأة كانت إرهاصاً لعمل يقترب فيه من حدود الطيب صالح وتوفيق الحكيم.
على المستوى الشخصى، لا أطيق أبريل ولا أبريل يطيقنى. يستعرض فيه ملاك الموت براعته في اقتناص أحبتي، قائمة طويلة من المغادرين مضوا وعلى جوازات خروجهم الأبدى ختم أبريل. هل شرط تَفَتُح زهور الربيع قَطْفُ زهورنا؟. رحل سعد، أو قُطف سعد لتنبت مكانه زهرة جديدة يهديها حبيب لحبيبته، ويكتب فيها شاعر بيت غزل. بينما تمتد يد سعد الخرافية لتهدى الوردة إلى العراق تضعها في مفرق شعرها المنسدل شلال أحزان ثم تتمتم "وداعاً سعد".
-------------
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة
نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري