وجوه على الطريق
كان يتحدث بصوت هادئ كأنما يقرأ من كتاب. خُلط صوته بطمأنينة من يدرك تفاصيل الغيب. يحاكي صوت الجدة وهي تدغدغ حواسنا بحدوتة قبل النوم، لا تتغير نبرة صوتها سواء كان السندباد يواجه الوحوش المفترسة والريح والمطر وحده، أو كانت سندريلا تزف إلى الأمير. صوت محايد يسلبك يقظتك وأنت على فراشك، يمشى على خط الصحو والنوم، ينبع من نفس اطمأنت لبارئها فلم تشغل بالها بالغد.
يتحدث بالإنجليزية إلى مرافقته، هو جاوز الستين بقليل، ذو ملامح لاتينية، فيما يشير سمتها الشرقي إلى منتصف الثلاثينات.
يشوب حديثها توتر، فينتظر ريثما تنتهي ثم يأتي صوته من ينبوع هدوئه كأنما يتلو من متن هدأت أفكاره بعد صخب مُدركًا مبتدأها وخبرها، مفتتحها ومنتهاها، بحرها وشطها، سفحها وقمتها، ثم ما لبثت أن قاطعته بحدة "لا أظن ذلك .. كان وقحًا في رده .. كان باستطاعته استدعائي لمكتبه وتوبيخي إن أراد .. لكنه فعل ذلك أمام جميع الموظفين وبحدة مبالغ فيها".
انتظر حتى انتهت من كلامها، رسم على وجهه ابتسامة هادئة ثم عقب "رغم ضيقك تقرين بخطئك .. هل تنكرين أننا جميعًا كنا ننتظر هذا المشروع .. تعلق به مستقبل الكثيرين .. إميلدا أُنهى عقدها، وصار جانو يعمل نصف الوقت، حتى كارل نفسه أصبح يجد صعوبة في تدبير الاحتياجات المالية للشركة".
- ما زلت تدافع عنه رغم أنه أنهى عقدك بطريقة مستفزة، أخبرك أنك معه حتى نهاية الشهر وكلفك بالسفر إلى اسكتلندا لمراجعة أعمال جانو .. منتهى الصفاقة .. كيف قبلت هذا؟.
كان وجهها قد صار عدائياً، فيما حافظ هو على هدوءه. نظر نحوها باهتمام واعتدل في جلسته ووضع نظارته أمامه على الطاولة مُتكئا عليها بمرفقيه ونظر نحوها وقال
- قَبِلتَهُ من أجلك!
- من أجلى أنا؟؟ "قالتها باستنكار وتهكم"
- نعم. استدعاني كارل إلى مكتبه بعد ثورته عليك وأخبرني قراره إنهاء عقدك. كان غضبه جامًا صاعقًا. طلبت منه مهلة فربما أمكننا إصلاح الأمر، في البداية رفض بشدة ومع شيء من الجدال استطعت إقناعه، ليس هذا فحسب بل وسفرك معي للمساعدة في مراجعة أعمال جانو، وألمحت له أن إنهاء عقدك قد يكبده خسائر فادحة في مشروع اسكتلندا، كما أن ....
- قاطعته مشدوهة غير مصدقة وراحت تكمل "استطعت إقناعه باستمرار عقدي مع تقليص بعض أعمالي ... أليس كذلك؟"
- نعم!
- وأنت؟
- لدي معاش تقاعدي استطيع العيش به .. أظن أن أوان راحتى واستمتاعى بحياتى قد حَلذَ!
- لا تَقُل حاجتك للمال عن حاجتي، "قالتها بعينين مشدوهتين"
- الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد.
- لقد ضحيت بنفسك من أجلي .. يا إلهي .. وأنا من تصورت أنك سبب مشاكلي
- الأمر أبسط من ذلك!
- لماذا فعلت ذلك؟
- أنت في سن ابنتي .. والمستقبل ما زال أمامك!
- لماذا فعلت ذلك؟ "قالتها بصوت متهدج من خلف ستار دموعها"
ألحت عليه أكثر من مرة، وأمام إصرارها أجابها بنبرة تردد:
- منذ عدة شهور سمعتك تتحدثين في الهاتف، كنت تتشاكين مع شخص على الجانب الآخر عن تكاليف علاج والدتك، وكيف أن جانبًا كبيرًا من راتبك الشهري يُنفق على علاجها، أيقنت أن انقطاع دخلك يعنى موت أمك.
- حقًا. كان هذا مع ألبرتو؟. أنت تعرفه ..
- نعم. فتى جيد ورياضي! أراه يحبك كثيرًا
- فعلت كل هذا من أجلي؟، "سألته وقد أحمرت أرنبة أنفها وفاضت عيناها بدمع غزير"
- أرجو أن تعتني بوالدتك!
- وماذا عن إيميلدا وجانو؟ هل طردا لأبقى أنا؟
- لا. قدم كلاهما استقالته لكارل منذ أكثر من شهرين، ليس للأمر علاقة بك. حتى إن لم يكن وقع ما وقع، كانا سيتركان العمل في كل الأحوال ..
هزت رأسها في أسى وأخفت وجهها ودموعها بين يديها، فيما انسدل شعرها الناعم على وجهها، اتكأت بمرفقيها على الطاولة وراحت في نشيج طويل، بينما راح هو يربت على كتفها من حين لآخر، ثم وقف وخاطبها وهو يعلق حقيبته في كتفه "هيا.. فقد أوشكت الطائرة على الإقلاع. علينا أن نُسرع.. سرقنا الوقت!"
قامت من مجلسها وراحت تلملم حاجياتها من خلف دموعها، سقط شاحن هاتفها على الأرض فأسرع بالتقاطه ووضعه في حقيبتها، كانت تهتز بشدة، نظرت نحوه طويلاً ولم تتمالك نفسها وارتمت في صدره تحتضنه ليغيب صوتها خلف نشيجها الذى بدا مرتفعًا فراح يربت على كتفها ريثما تهدأ، ثم غمغمت وقالت له "كم أحبك أيها الرجل العجوز"، ابتسم وأجابها بعينين مغرورقتين وأخذ بيدها قاصدًا بوابة دخول الطائرة "وأنا أيضًا .. كم أحبك كثيرًا"، ثم أردف "هيا فإن البرتو يتحرق شوقًا على الجانب الآخر"، نظرت نحوه بامتنان شديد، فربت على خدها وقبل رأسها، ومضيا معًا نحو الطائرة بينما يتردد في القاعة صوت المذيعة الأرضية في المطار يحث الركاب للإسراع نحو الطائرة.
------------------------------------
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري