وجهة نظري| سنة أولى إجرام
بينما كانت السيارة تقطع الطريق بسرعة توقفت عيناى لتتابعهم، صغارا كانوا.. أجسادهم نحيلة.. آثار التعب والجوع كانت واضحة تشى بها وجوههم.. ملابسهم الرثة المتسخة تكشف طبيعة حياتهم التى لاتعرف غير الطرقات والشوارع مأوى.. رغم سوء حالتهم التى عكستها خطاهم البطيئة المتعثرة إلا أن الإبتسامة لم تفارق وجوههم.. كادت تصل لضحكات أكاد أسمعها.. لا أعرف بالضبط ما الذى يضحكهم وإن كان من المؤكد أنه لايمتآ لمشاعر الفرحة والبهجة بصلة.. كانت مشاعرهم أقرب للإستسلام أو اللامبالاة، إستسلام للقيود الحديدية التى تلتف حول معصمهم، ولكلمات رجل الشرطة الحاسمة التى تلزمهم بإسراع الخطى وركوب السيارة التى من الواضح أنها ستقلهم لمراكز الأحداث.
ردود فعلهم بدت غريبة عن قرناء لهم إلتقيت بهم من سنوات طويلة داخل أحد أقسام الشرطة.. علامات الخوف والفزع تنطق به كل ملامحهم.. كانت الدموع تسبق كلماتهم ثم تتوقف فجأة لتسرح فى مصير مجهول يبدو أشد قسوة ومرارة من قسوة الشارع ومرارته، مازال فى نفوسهم شيء ما يربطهم بمشاعر الطفولة التى لم يتذوقوها وحرموا منها رغما عنهم..على عكس حال هؤلاء المبتسمين فى إستسلام.. يبدو أنهم لم يسلموا من رياح التغيير الذى أصابتنا جميعا وتركت بصماتها الواضحة على سلوكنا وردود افعالنا وتعاملاتنا.. فبدا مصيرهم المظلم لايقل قتامة عن سواد ايامهم.. وكأن لسان حالهم يقول ما الذى يمكن أن يقابلنا أسوأ مما نحن فيه.. جوع، انتهاك لآدمية، غلظة، تكبر، قسوة، حرمان ..أصبحت كلها أمور عادية.. نقابلها باستسلام كأنه قدر أو إبتسامة كوسيلة للتجاهل والإنكار والتحدى.. ما الذى يدفعنا للخوف والفزع ونحن لم نتذوق يوما طعما للراحة والأمان.. على هامش الحياة نعيش وسنظل على هامشها.. تتابعنا العيون بتوجس وخوف أو إستعلاء وتكبر وقرف بينما ينظر إلينا آخرون بشفقة عاجزة لاتسمن ولاتغنى من جوع ولاتغير حالنا للأحسن.. يتذكروننا فجأة إذا ما ارتكب أحدنا جريمة مفزعة ثم يتجاهلوننا كأنهم يقرون بصمت على جرائمنا المعتادة.. حالهم لايبدو غريبا، بميزان عدالتهم مختل لصالح الأفسد.. النابه منا من يدرك ذلك.. يعرف أن الفاسدين الكبار يحتاجون لأمثالنا، نقدم لهم الخدمات ونصبح فيما بعد رجالهم المخلصين.. ومع الأيام يتبدل حالنا، نصبح أكثر أناقة وغنى.. نسكن بيوتا مريحة وتضمنا جدرانها الرحبة وننسى فيها شعورا بالضياع وسنوات من العذاب عشنا فيها على هامش الحياة .. فلماذا لانبتسم!
كم من لصوص كبار نجوا من المساءلة والعقاب، وكم من فاسدين ترفع لهم القبعات ويشار لهم بالبنان.. وكم من مجرمين تواروا خلف ثيابهم الأنيقة وعطورهم الفخمة وأصبحوا ملء الأسماع والأبصار وإحتلوا سماء المجتمع فأصبحوا نجومه المتلالئة.. هؤلاء قدوتنا، مثلنا الأعلى الذى لا يغيب عنا.
ربما يصبح أحدنا مثلهم، ليس غريبا ولابعيدا فى مثل هذا الزمان .. فلماذا لانبتسم، مازلنا فى سنة أولى إجرام والمستقبل لنا! "كلنا مجرمون وكلنا ضحايا ".. رحم الله نجيب محفوظ.
-----------------
بقلم: هالة فؤاد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى
تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...
فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر
أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري