الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 27.2°C
رئيس التحرير مجدي شندي
وجهة نظرى| تعديات "أمان"

وجهة نظرى| تعديات "أمان"

كثيرا مانضبط أنفسنا متلبسين بالتعاطف معهم.. وجوههم المتعبة، ملابسهم البسيطة، إبتسامتهم المنتزعة دائما من ركام أحزان وهموم لاتنتهى، أصواتهم المتوسلة أحيانا بتصنع وثانية بدعابة وثالثة بتشويق وجذب، وتودد ماكر للتاثير والدفع إلى الشراء، بضاعتهم البسيطة لاتغرى الكثيرين وإن كان املهم في القلة من الزبائن البسطاء، لايثنيهم عن بذل كل جهد عل مساعيهم تنجح فى النهاية لكسب حنيهات محدودة تعينهم على حياة لاترحم الفقراء أمثالهم.

نتابعهم بينما تتعالى أصواتهم بصخب وترتفع أيديهم ملوحة بما قل وزنه وقل سعره، يتجاوزهم البعض بتأفف، ويتردد آخرون ممارسين أقصى محاولات الفصال بقناعة ألا أحد يغلب البائع حتى وإن كان من هؤلاء المتجولين العشوائيين.

رغم ضجيجهم المزعج وصخبهم المستفز أحيانا، ورغم مايسببونه من زحام خانق يشل حركة الرصيف إلا أن مشهد وجوههم الخائفة الفزعة عندما يسرى إلى أسماعهم خبر قدوم حملة شرطة المرافق لإزالتهم، يصيبنا بالوجوم.

تكاد أقدامنا تتصلب فلا نقوى على الحراك، وتتابع أعيينا فى تعاطف وحزن حركة الكر والفر.. هذا يلملم بضاعته فى جوال متهالك ويجرى غير عابيء بما يتساقط منه من بضاعة لايهمه كثيرا حصرها، فكل مايشغله هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه!، وذلك يساعد زميله المتعثر بينما لاتكف يده على لملمة بضاعته مرددا فى حزم تعليماته، كأنه القائد المنقذ أو الخبير الأكثر دراية بما يمكن فعله فى مواجهة مثل تلك المصائب، التى تدق فوق رءوسهم بين الحين والآخر خاصة فى الأعياد أو صعود نجم محافظ جديد يحاول أن يقدم أوراق إعتماده لرؤسائه، يثبت جدارته وإستحقاقه لمنصبه ولايجد أسهل من حملات يتقدمها لإزالة الإشغالات ومنع الباعة الجائلين، فيبدو كقائد مغوار يدق عصى الحرب بلا هوادة فى مواجهة المعتدين على حرمة الرصيف وإخلائه للمشاة ورفع جميع الإشغالات وفرض القانون بقوة لمواجهة هؤلاء المخالفين من الباعة الجائلين.

تبدو الشعارات براقة والحرب مشروعة والأهداف سامية، أمام حالة الفوضى التى باتت تخنقنا جميعا وتجعل من شوارعنا مثالا رثا للقبح والعشوائية والقذارة.

تبدو الحرب مشروعة لو لم تستثن أحدا، لو طبقت على الجميع بعدالة ومساواة، لو لم تفرق بين بسيط وصاحب نفوذ.. لكن للأسف، وكعادتنا في الكيل بمكيالين، نجد أن هناك من يحتل الرصيف فى أمان وتحت سمع وبصر الشرطة، بل وفى حمايتها أيضا.. لا أحد يمكن أن يحتج على إشغاله للرصيف أو يتهمه بإعاقة المرور أو يحرر له مخالفة التعدى على حرم الطريق، أو يسرع ليهدم شادره أو أكشاكه فوق راسه أو يصادر بعنف ما بها من بضاعة.

هكذا تقف أكشاك "أمان" فى قمة الهدوء والراحة، تحتل أرصفة الشوارع والميادين الرئيسية، رمسيس، الإسعاف، شارع الصحافة، الجلاء،غمرة ..وغيرها. تبيع مايحلو لها من لحوم غير عابئة أو متهيبة من حملات تشنها وزارة التموين على البيع فى أماكن على درجة عالية من التلوث. تكتفي بتلك الشاشات البيضاء التى تغطى بها اللحوم أحيانا أو تهملها فى كثير من الأحيان، فما بين الخيرين حساب، وإذا كانت وزارة التموين صمتت على سحب وزارة الداخلية لجزء من إختصاصها وقامت بدلا منها ببيع اللحوم  وغيرها من السلع للمواطنين، فما المانع أن تغض بقية الطرف عن باقى التجاوزات الخاصة بأماكن البيع  وشروطها، ولن تمانع وزارة الصحة أيضا من مد يد العون والمساعدة لشقيقتها الداخلية ولن يعلو تصريحات مسؤوليها بضرورة الالتزام بتوافر الشروط الصحية فى أماكن بيع اللحوم وعدم تعرضها للتلوث.

تتمدد أكشاك الداخلية وتتوغل وتنتشر، ولاتقتصر على اللحوم فتتوسع لتشمل جميع السلع، تتنافس مع الشركة الوطنية بينما تتقزم دور وزارة التموين، فلا نكاد نعرف أيهما منوط بتوفير السلع والخدمات وأيهما يتولى الحماية والأمن.

تناقض المشهد وتداخله وتعقده، يجعلنا رغما عنا لا نملك سوى التعاطف مع الباعة الجائلين، نشعر أنه من الظلم أن نتربص بهم ونشن الحملات ضدهم قبل أن نسرع فى تحديد النقاط والمهام الملتبسة، وقبل أن نطبق القانون بعدالة وإنصاف على الجميع، وقبل أن نشرع فى توفير أماكن بديلة بحق، غير تلك الفاشلة التى أنفقنا عليها عشرات الملايين ولم تؤد الغرض منها وظلت شاهدا على قمة الفشل فى التعامل مع أبسط الأزمات.. وأعنى بها بالطبع اكشاك الترجمان التى لم تفلح فى كبح جماح توغل الباعة الجائلين ولم تحل أزمتهم، وإن كانت إستخدمت كحل مؤقت أبعدهم عن ميدان رمسيس، لكن للاسف ليخلو المكان لشوادر أمان.. وكأنك يابوزيد ماغزيت، أو غزيت لمصلحتك الخاصة، لا مصلحة الوطن.. وتلك هى آفة وطننا الكبرى.
---------------------
بقلم: هالة فؤاد
من المشهد الأسبوعي .. غدا مع الباعة

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:15
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.2°C
توقعات الساعات القادمة
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه

السؤال:أشكركم على هذا الموقع‎.‎ ‏ سؤالي‎:‎‏ أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، ‏فقد مضت سنة على رسمي له، لك...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,000ج.م
عيار 21
6,125ج.م
عيار 18
5,250ج.م
الجنيه الذهب
49,000ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...