الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 القاهرة 27.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
هوس المظاهر الدينية.. وفاتورة تخلفنا

هوس المظاهر الدينية.. وفاتورة تخلفنا

لدينا إشكالية كبرى في منطقتنا العربية - تلك المنطقة التي تخلفت عن مواكبة التقدم والرقي - تتمثل في هذه المظاهر الشكلية للتدين التي يجيدها البعض بعيداً عن جوهر الدين الإسلامي العظيم. إنها كارثة أخلاقية تُفرغ الدين من مضمونه الحقيقي ليصبح مجرد "ستار شكلي" أو "سلعة تُستغل" في الخصومات السياسية والمكاسب الشخصية الضيقة.

إن الدين الإسلامي في أصله وجوهره إنما جاء ليرسي مكارم الأخلاق؛ جاء من أجل المساواة بين الناس، والصدق، والأمانة، وإتقان العمل، واحترام الآداب والنظام العام، وحرمة حقوق الآخرين.

لكن المشهد العربي على مدار السنوات الطويلة الماضية بات يعاني ظاهرةً شديدة الخطورة؛ وهي طغيان "التدين الظاهري" على حساب جوهر هذا الدين؛ حيث أصبح من السهل جداً على البعض أن يرتدي عباءة التقوى، أو يرفع الشعارات الدينية، أو يستعرض أمام الناس بمظاهر العبادة، من أجل تحقيق انتصار زائف، أو اصطناع مظلومية، أو البحث عن "تريند" إعلامي!

ولعل النظر في واقعنا الحالي يكشف لنا بوضوح كيف تُستغل هذه المظاهر والعواطف الدينية الجياشة لدى الشعوب بطرق تجافي العقل والمنطق والضمير، ونستحضر في ذلك نموذجين:

النموذج الأول: (فاطمة يوسف حسن عريبي)؛ تلك الفتاة التي كانت تنتمي لجماعة الإخوان، حين ادعت زوراً تعرضها للاغتصاب عقب أحداث 30 يونيو في مصر - قبل أن تتراجع وتعدل عن كذبها - بهدف ترويج شائعات وأكاذيب تعزف على وتر النخوة والدين لدى الناس. ولم يكن ذلك منها حينها سوى اتجار صريح بالقيم الأخلاقية والدينية للمجتمع لخدمة أهداف جماعة سياسية تتخذ من الدين وسيلة لأهدافها، وهو مسلك لا يسيء فقط للقيم الدينية، بل يضر أيضاً بالمجتمع ككل وبصفة خاصة بقضايا المرأة وعدالتها.

النموذج الثاني (والمعاصر): ما نتابعه الآن في قضية "التريند" لسيدة تدعى (ندى متولي)؛ حيث حُوّلت الصلاة - التي أصلها وجوهرها الخشوع والصلة الخفية بين العبد وربه - إلى أداة للاستعراض، لتثير جدلاً واسعاً بإصرارها على أداء الصلاة في مكان مخصص لتناول الطعام في مطعم عام. والمأساة لم تقف عند حد هذا الاستعراض، بل امتدت لتغييب العقل والمزايدة الأخلاقية على مدير المطعم الذي حاول تطبيق النظام، وأمام التعاطف المتوقع ممن تنطلي عليهم هذه الاستعراضات الشكلية، فُصل الرجل من عمله وقُطع رزقه!

والحقيقة أن هذه الحالة النموذجية للتدين الشكلي تختصر المأساة الكبرى التي تعيشها شعوب هذه المنطقة المنكوبة بالتخلف؛ حيث أضحى مجرد تطبيق آداب المكان ونظامه خطيئةً عظمى أمام السيل الجارف للدفاع عن مظهر مزعوم للعبادة أمام الناس، بينما الصلاة ذاتها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتأمر بأدب السلوك وحسن المعاملة بين الناس.

إن هذه النماذج وغيرها ليست مجرد حالات فردية عابرة، بل هي مؤشر على أزمة وعي عميقة وأزمة أخلاق قديمة ومستمرة في مجتمعاتنا العربية؛ أزمة تظهر في تفشي التدين الظاهري وشيوع الشعارات، في مقابل واقع يعاني انتشار السرقات والرشاوى وتراجع الأمانة والغش واستسهال أكل الحقوق، والمضحك أن تجد بعضهم قد علق خلف مكتبه يافطة بآيات قرآنية! ليصبح كل من يستخدم يافطة أو شعاراً دينياً أو يمارس عبادة علنية محصناً من المساءلة، حتى لو تجاوز القانون أو أضر بحرية الآخرين.

وإذا كانت الحكمة تقول "إن بالتضاد تُعرف الأضداد"، فماذا لو أتحنا في هذا المطعم أمكنة لأصحاب كل دين ليمارسوا صلاتهم؛ فنخصص مكاناً لصلاة المسلمين، ومكاناً لصلاة المسيحيين، ومكاناً لليهود والهندوس والبوذيين.. إلخ، فهل سيبقى المكان مناسباً لتناول الناس طعامهم، ولعمل العاملين به وتكسب أرزاقهم؟!

إن المعيار الحقيقي في أي مجتمع يسعى للتقدم هو "الالتزام والسلوك والكفاءة"، وليس المظهر ولا الانتماء الديني؛ فالمجتمعات لا تُبنى بالادعاءات والشعارات، بل بالعمل الجاد والاحترام المتبادل لحريات الآخرين.

على أنه من المهم أن ننتبه إلى أن مواجهة ظاهرة التجارة بالدين لا تكون أيضاً بالإساءة للدين وقيمه ومبادئه وتعاليمه الروحية، بل بإعادة الاعتبار لجوهره، وإعمال القاعدة الذهبية التي اختصرها الرسول الكريم محمد - عليه الصلاة والسلام - في جوهر رسالته بقوله المختصر البليغ: "الدين المعاملة".

ألم يحن الوقت لنواجه أنفسنا بالحقيقة الصريحة المرة؟ إن الشعوب التي باتت تستمرئ الانشغال بقشور الدين وشكلياته وتدمن الرياء، تاركةً جوهره وقيمته المتمثلة في العلم والعمل واحترام الحريات والقانون، هي شعوب كَتَبَت على نفسها التخلف والضياع. إن العالم من حولنا قد سبقنا وانطلق نحو المستقبل على أسس من القوة والمعرفة، بينما لا نزال نغرق في شكليات لا تقدم ولا تؤخر، حتى أصبحت بلادنا مستباحة، يطمع فيها الغزاة، ويحتلون أراضيها، ويقتلون أبناءها، ويغتصبون نساءها، بعد أن استبدلنا الإيمان الحقيقي والتطبيق العملي لجوهر الدين بهوس عقلي ومجرد استعراض شكلي لمظاهره.

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ وما دام الدين في هذه المنطقة المنكوبة من العالم قد أصبح مجرد مظهر استعراضي، فإن المقابل الحتمي هو مزيد من التخلف والهوان. فالأقوياء من حولنا لا يحترمون أمةً ضعيفة توقف بها الزمن عند مظاهر دينية شكلية، بل يطمعون فيها، فيغزونها، ويقتلون أبناءها، ويغتصبون نساءها، وهم يضحكون على أمةٍ غارقة في جهلها تحسب أنها تحسن صنعاً بينما هي تتخلف عن ركب الحضارات!

ذلك هو الداء العُضال الذي اختصره حكيم العرب وشاعرها أبو الطيب المتنبي منذ مئات السنين في بيت شعرٍ صريح، وما زالت الأمة تعاني منه ولم تجد له دواءً حتى اليوم:

أَغايَةُ الدينِ أَن تحفوا شَوارِبَكُم .. يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ.
--------------------------------
بقلم: أسعد هيكل
* المحامي والحقوقي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.6°C
توقعات الساعات القادمة
27.6°C
26.1°C
25.0°C
24.0°C
22.9°C
21.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان

السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...

مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

حديث الإفك وكلاب السكك!

كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,148ج.م
عيار 21
6,254ج.م
عيار 18
5,361ج.م
الجنيه الذهب
50,032ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...