الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 29.1°C
رئيس التحرير مجدي شندي
هل تمثل الناصرية فردا أم اتجاها في تيار الوطنية المصرية؟؟

هل تمثل الناصرية فردا أم اتجاها في تيار الوطنية المصرية؟؟

كلما حلت مناسبة مرتبطة بالزعيم الوطني العظيم جمال عبد الناصر، تثور الأقاويل مؤيدة أو مناهضة لثورة 23 يوليو وزعيمها. وهذا أمر لافت حقا. فلا يوجد زعيم أو رئيس أو ملك في تاريخ مصر الحديثة، منذ عهد محمد علي، يدور حوله كل هذا الجدل، ويستمر، حتى بعد وفاته ب 56 عاما. وربما لن يتوقف في المستقبل المنظور. 

فلماذا عبد الناصر بالذات؟؟ ولماذا تجربته وعهده بالذات؟؟، وقد عرفت مصر قبله عددا محترما من الزعماء والقادة. كما توالى من بعده خمسة رؤساء، وجميعهم حاول طمس تجربته وتشويه إنجازاته، (ربما باستثناء عدلي منصور، فقد كان مؤقتا) وجميعهم لم يفلحوا. بل، إن قيمة عبد الناصر تزداد، وذكره يعلو، كل عام عن سابقه. 

تقديري أن قيمة عبد الناصر الحقيقية لا تكمن فيما كان يتمتع به من حضور أو كاريزما، أو قدرة آسرة على الخطابة والتأثير فيمن يستمع اليه. فكلها سمات شخصية مطلوبة في أي زعيم. ولكنها وحدها لا تصنع الزعامة. ولا تضمن استمرار ارتباط الناس بهذا الشخص، حتى بعد مرور هذا الزمن الطويل على تاريخ رحيله. بل ان ما يصنع الزعامة الحقيقية هي القدرة على صنع التاريخ وتغيير مجرى أحداثه. وهكذا كان عبد الناصر بكل ما تعنيه الكلمات. 

فلقد كان عبد الناصر أول وآخر زعيم وطني مصري ينحاز الى الأغلبية الكاسحة والجموع الحقيقية للشعب المصري، من العمال والفلاحين وصغار الكسبة، في المدن، والقرى، والكفور، والنجوع. كما أنه انحاز الى جانب كل الشعوب المضطهدة في المنطقة العربية والعالم الثالث. حيث قامت ثورة يوليو منذ البداية بوصفها امتدادا لحركة التحرر الوطني المصرية، التي بدأت بالثورة العرابية. ولكن سرعان ما فطن هذا القائد، منذ البداية، الى أن الاستقلال الوطني لا يمكنه أن يتحقق بدون تقدم علمي وثورة صناعية، وهذا الأمر يحتاج الى شعب متعلم صحيح البدن، مطمئن لضمان حقه في العلاج، والعمل، والسكن. فالاستعمار يمكن أن يرحل، ولكن تأثيره يمكن أن يبقى، من خلال التبعية التي يخلقها الإخفاق في كل هذه المجالات. والتخلف الصناعي يجعل الوطن مجرد سوق يحتاج الى منتجات المستعمرين المتقدمين علميا وتكنولوجيا. والتخلف الزراعي يجعل الوطن بحاجة دائمة إلى إمدادات الغذاء، والشعب الجاهل المريض المقهور يجعل المستعمر قادرا على الهيمنة، بكل الأشكال، وبصورة دائمة. لذلك فان سعي عبد الناصر لتحقيق التحرر الوطني أفضى به إلى حتمية المرور على محطات عديدة يمكن تلخيصها في: التقدم العلمي، والتصنيع، والتعليم، والتوسع الزراعي والارتقاء الثقافي. وبكلمة فإن التحرر الوطني يستلزم بناء الوطن والارتقاء بحياة المواطن، في كافة المجالات، وبخاصة المواطن البسيط، فمنه تخرج السواعد القادرة على تحقيق المعجزات. 

وكذلك فإن التحرر الوطني يستلزم تقديم كل الدعم للشعوب الصديقة ولحركات التحرر، المشتركة معنا في الأهداف. ولقد حقق عبد الناصر الكثير من ذلك دون أن يدخر أدنى جهد، وحتى آخر رمق في حياته. 

ولذلك لم يكن عبد الناصر زعيما وطنيا فقط، بل زعيما عربيا وأمميا، بلا مراء. 

وتعد فترة عبد الناصر القصيرة، الفترة الوحيدة التي شعر فيها المواطن المصري بأن دولته تعمل لصالحه ولا تسعى لاستغلاله أو تسخيره. فشعر بأن الثروة الوطنية ملك له ولأبنائه وليست ملكا لحفنة من المستثمرين واللصوص والسماسرة. وبأن وطنه يرتقي ويرتفع بين الأمم ويصبح قدوة لكل شعوب العالم الثالث.

وبسبب كل ما سبق، وعلى الرغم من بعض الإخفاقات، فإن هذا العصر قد شهد أعلى إحساس شعبي بالكرامة الوطنية والعزة القومية، وبأننا أمة معتبرة بين الأمم، وأن بلادنا في صدارة البلاد. وهذا الإحساس العزيز للغاية، والذي يستحق أن تبذل من أجله المهج والأرواح، لم يعرفه المصريون، بهذا القدر، من قبل عبد الناصر، ولا من بعد رحيله. فمن قبله كنا أمة محتلة من الاستعمار الخارجي، ومستغلة من الرأسماليين وكبار ملاك الأراضي في الداخل. ومن بعده، سرعان ما نكصت مصر في جميع المجالات التي كانت رائدة فيها، وتراجعت مهابتها ورمزيتها، في عهود من حكموا بعده. 

لقد كان زمن عبد الناصر زمن تحقيق الآمال ومعانقة الأحلام، زمن المجد والفخار، وزمن الزهو والعزة والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فلقد حققنا مع عبد الناصر، في سنوات قليلة، ما ظللنا نحلم به قرونا. وما زلنا نحلم باستعادته، منذ أن فارقنا.

لذلك فإن الناصرية لا تمثل شخص عبد الناصر، ولكنها تمثل أهداف التحرر الوطني والعزة القومية والتقدم الاقتصادي والعلمي والعدالة الاجتماعية. كما أنها تمثل معاداة الاستغلال، والاستعمار، والتخلف، والتبعية، والصهيونية، والرجعية.

لكل ذلك انتمى فقراء مصر وكادحوها، وشعوب العرب والعالم الثالث، وكل الشرفاء والصادقين، المخلصين لقيم الحق والعدل والحرية، إلى هذه الحقبة المجيدة الفريدة من تاريخنا.

ولكل ذلك، أيضا، يهاجم هذه التجربة كل من وقفوا على الخط المقابل، خط التبعية والخضوع أمام الصهيونية، والاستعمار، ووكلائهما. خط تبرير الثراء الفاحش للأقلية الطفيلية الفاسدة على حساب فقر ومرض وجهل جموع الشعب الكادح. فعبد الناصر هو النقيض الحي الماثل في الأذهان لكل هؤلاء. وجسارته هي من تفضح عجزهم تخاذلهم وانبطاحهم. وعدالة عهده هي من يفضح ظلمهم، ووطنية نهجه هي من تفضح عمالتهم، والقيمة الكبيرة لإنجازاته هي من تفضح اخفاقاتهم المشهودة. 

ولذلك فإن تأثير عبد الناصر لم ينته بوفاته. بل يزداد قوة وتألقا كلما ازداد الفقر واستشرى الظلم وتفاقم التردي. 

ولذلك، أيضا، أصبح اسم عبد الناصر أحد عناوين الصراع بين الشعب وأعدائه. وما دام الحلم بالحرية والعدل والتقدم باقيا، ستبقى ذكرى هذا الزعيم العظيم حية في الصدور والقلوب، تشعل الآمال في وجدان المحرومين، وتنذر بالهزيمة والخسران لكل من يعادي الشعب ويهدر قيمة الوطن.
--------------------------
بقلم: د. صلاح السروي


استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:17
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
29.1°C
توقعات الساعات القادمة
29.1°C
28.3°C
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست

لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,977ج.م
عيار 21
6,105ج.م
عيار 18
5,233ج.م
الجنيه الذهب
48,840ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...