هل بدأت معركة جرّ مصر إلى الحرب؟
في أوقات الحروب، لا تكون الصواريخ وحدها هي التي تعبر الحدود، بل تسبقها أحيانًا الأخبار، وتتبعها الشائعات، ويصبح الخبر غير المؤكد قادرًا على إحداث أثر سياسي قد يفوق أثر الضربة العسكرية نفسها. لذلك فإن أخطر ما يواجه الوطن العربي والشرق الأوسط اليوم ليس فقط اتساع دائرة المواجهات، بل أيضًا سرعة توظيف أي حادثة لإعادة رسم خرائط الصراع وإقحام أطراف جديدة فيه.
الحديث عن استهداف ميناء دمياط، وما تبعه من اتهامات متسارعة لإيران أو لجماعات موالية لها، يطرح أكثر من سؤال قبل أن يقدم أي إجابة. ففي غضون دقائق بعد وقوع حادث ميناء دمياط، بدت بعض المنصات الإعلامية وكأنها حسمت هوية المنفذ، وحددت الدوافع، وأغلقت باب الاحتمالات، رغم غياب أدلة معلنة أو تحقيقات مكتملة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التريث فضيلة سياسية وإعلامية، لا مجرد موقف مهني.
المشهد الإقليمي شديد التعقيد. فالحرب لم تعد مواجهة بين طرفين، وإنما شبكة متداخلة من المصالح والتحالفات والخصومات. البحر الأحمر، والخليج، ومضيق هرمز، وباب المندب، كلها تحولت إلى مسارح مفتوحة لاحتمالات التصعيد. وكل خطوة جديدة تحمل معها خطر انتقال النار إلى ساحة أخرى، بما يهدد الاقتصاد العالمي وحركة الملاحة وأمن المنطقة بأكملها.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ما الذي يمكن أن تستفيده إيران، إذا صحّت هذه المزاعم، من استهداف هدف داخل الأراضي المصرية؟ من منظور استراتيجي بحت، يبدو هذا السيناريو محل نقاش، لأن أولويات أي طرف منخرط في مواجهة مباشرة عادة ما تتجه نحو أهداف ذات تأثير عسكري أو سياسي أكبر، خصوصًا في ظل وجود قواعد ومنشآت وأصول عسكرية أكثر ارتباطًا بطبيعة الصراع الدائر. ولهذا فإن طرح التساؤلات حول الرواية المتداولة لا يعني تبني رواية مضادة، بل المطالبة بالاعتماد على الأدلة قبل إصدار الأحكام.
في المقابل، تبدو مصر حريصة منذ بداية الأزمة على تبني سياسة تقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر، مع الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف. هذا النهج لا يعكس ترددًا بقدر ما يعبر عن قراءة لمصالح الدولة المصرية، التي تدرك أن أي توسع في الحرب ستكون كلفته الاقتصادية والأمنية والسياسية باهظة على الجميع.
وينطبق الأمر بدرجة كبيرة على تركيا أيضًا، التي سعت هي الأخرى إلى الموازنة بين مصالحها الأمنية والإقليمية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفرض عليها أثمانًا يصعب تحملها. وفي عالم السياسة، لا يكون الحياد دائمًا غيابًا عن المشهد، بل قد يكون أكثر المواقف تأثيرًا إذا ارتبط بالقدرة على الوساطة ومنع الانفجار.
لهذا، فإن أي رواية من شأنها أن تدفع القاهرة أو أنقرة إلى تغيير حساباتهما تستحق التدقيق، لأن توسيع دائرة الحرب يظل هدفًا يخدم أطرافًا ترى أن حسم المعركة يمر عبر استدعاء مزيد من اللاعبين إلى ساحة الصراع.
المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من البيانات المتسرعة أو الاتهامات غير الموثقة، بل إلى قدر أكبر من المسؤولية السياسية والإعلامية. فالحروب تبدأ أحيانًا بقرار، لكنها كثيرًا ما تتوسع بسبب سوء التقدير، أو بسبب خبر لم يُتحقق منه، أو رواية جرى التعامل معها باعتبارها حقيقة قبل أن تثبتها الوقائع.
وفي النهاية، تبقى المصلحة الحقيقية لدول المنطقة في منع اتساع رقعة المواجهة، لأن أي حرب تتجاوز حدود أطرافها الأولى لن يكون فيها منتصر حقيقي، بينما سيدفع الجميع ثمنًا أكبر من أي مكسب سياسي أو عسكري محتمل.
حفظ الله مصر، أرضًا وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان، وجنَّبها شرور الحروب وويلاتها، وصانها من كل سوء، وجعل مستقبلها عامرًا بالخير والاستقرار والرخاء.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي
خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...
ميتشو: غياب شيكابالا عن مواجهة بطل السنغال مؤثر للغاية
كشف الصربي ميتشو المدير الفني لفريق الكرة الأول بنادي الزمالك عن أنه لا يشعر بأي ضغوط قبل مواج...
مهام البناء على المتاح
من الخطل التهليل فخراً بتحقيق حلم شعار الثورة في مدنية السلطة واقعاً. ذلك إنجاز لن يتحقق مالم يتحرر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري