الجمعة، 06 نوفمبر 2026 القاهرة 19.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي
هكذا تنتهى حرب أوكرانيا

هكذا تنتهى حرب أوكرانيا

تنتهى الحروب غالبا بواحدة من طريقتين ، إما بالتفاوض أو باستسلام أحد الطرفين المتحاربين ، ولا تبدو أهداف روسيا فى حرب أوكرانيا قابلة لتفاوض ، وبالذات بعد تطورات الشهرين الأخيرين ، وإعلان موسكو رسميا عن ضم أربعة أقاليم أوكرانية لأراضيها ، إضافة لسيطرة روسيا على إقليم شبه جزيرة "القرم" وميناء "سيفاستوبول"  منذ عام 2014 ، بينما تطلب أوكرانيا جلاء كاملا للروس عن الأقاليم الخمسة ، وهو ما يبدو طلبا عبثيا مستحيل التحقق من وجهة نظر الروس ، فالتناقض "حدى" بين الطرفين ، ويصعب تصور الوصول إلى حله بطريق التوافق والتراضى ، اللهم إلا إذا كانت من وسيلة لوقف القتال من دون رد الأراضى ، وهو ما تبدو حركة الحوادث ذاهبة إليه على أغلب الظن ، وفى مدى شهور الشتاء الحربى الزاحف على الأبواب .

وقد انتعشت أحاديث التفاوض فى الأسابيع الأخيرة ، خصوصا بعد زيارة "جيك سوليفان" مستشار الأمن القومى الأمريكى إلى "كييف" ، وحثه الرئيس الأوكرانى "فولوديمير زيلينسكى" على إبداء مرونة فى تقبل مبدأ التفاوض ، وفك حظر التفاوض مع الرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" المفروض بقانون أوكرانى ، وقبل سعى "سوليفان" الملتبس ، كان بابا الفاتيكان "فرنسيس" يوجه دعوة للتفاوض والسلام ، بعد أن زاره الرئيس الفرنسى "إيمانويل ماكرون" أواخر أكتوبر 2022 ، ودعا البابا الاتحاد الأوروبى لانخراط  فى عملية تفاوض روسيا وأوكرانيا ، وأكد البابا ما أسماه "حياده الكامل" و"محبته للشعبين الروسى والأوكرانى" ، بينما كان المستشار الألمانى "أولاف شولتز" يبحث عن أرضية مشتركة مع "بوتين" ، فى اتصال هاتفى أجراه مع الرئيس التركى ، سبق زيارته المثيرة لجدل أوروبى إلى العاصمة الصينية "بكين" ، ولقاء الرئيس الصينى "شى جين بينج" ، سعيا لتوطيد علاقات اقتصادية وتجارية هائلة ، وفتح السبل لتواصل مؤثر مع الرئيس الروسى ، الذى تجمعه مع الصين علاقات "شراكة بلا حدود" ، تأكدت أكثر بعد انتخاب "شى" لرئاسة ثالثة فى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى الصينى ، وبدت هذه التحركات كلها علامات على رغبات غربية فى خفض التوتر مع موسكو ، بعد أن فشلت الحملة الغربية فى ردع الرئيس الروسى ، وبعد أن بدت التطورات الحربية على أرض القتال غير مواتية لرغبات التحالف الغربى ، وبعد أن بدا هدف "هزيمة روسيا" متباعدا ، وهو ما يفسر اتجاه واشنطن لتواصل علنى وفى الكواليس مع موسكو ، وإن حرصت موسكو وواشنطن على إبداء تصريحات متقاربة المغزى ، تحصر هدف الاتصالات الجارية فى التهدئة النووية ، ومن دون التطرق كما يقول الأمريكيون إلى الوضع فى أوكرانيا ، وإن حرصت موسكو علنا على تأكيد ضرورة دمج الموضوع الأوكرانى فى النفاوض مع واشنطن ، وأن الأخيرة هى الطرف المقابل فى حرب أوكرانيا ، ومن وراء وأمام "زيلينسكى" وجيشه ، وهو مما صار معلوما بالضرورة عن حرب أوكرانيا الجارية ، وقد كانت من اللحظة الأولى حربا ذات طابع عالمى ، تواجه فيها روسيا وحدها 32 دولة فى حلف شمال الأطلطنى "الناتو" ، إضافة لدول أخرى حليفة كاليابان واستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها ، وقد استفرغت كل هذه الدول ما تملكه من سلاح متطور فى الميدان الأوكرانى ، وزودت جيش "كييف" وسلطتها ، بما تزيد قيمته إلى اليوم على مئة مليار دولار ، دفعت منها واشنطن النصيب الأكبر ، وبهدف معلن هو "إضعاف روسيا" وهزيمتها وربما تفكيكها ، فقد دفعت واشنطن خزائن السلاح الأوروبى إلى الانتقال إلى أوكرانيا ، وإعادة بناء الجيش الأوكرانى كلما تحطم ، ولم توفر أمريكا سلاحا مهما بلغت خطورته ، وبلغت الإشارات الرمزية أعلى ذراها ، مع إرسال "نظام ناسامس" للدفاع الجوى إلى "كييف" ، وهو النظام المنصوب للدفاع عن "البيت الأبيض" نفسه ، إضافة لمشاركات ميدانية مؤثرة ، سواء فى التخطيط للعمليات وإدارة المعارك ، أو فى الخدمات الاستخبارية من مئات الأقمار الصناعية العسكرية والمدنية التابعة لدول وشركات التحالف الغربى ، وهو ما كان سببا فى اختراقات محسوسة ، حققها الجيش الأوكرانى و"الفيالق الأجنبية" على جبهات الحرب منذ أوائل سبتمبر 2022 ، بالسيطرة على بلدات فى "خاركيف" و"دونيتسك" وشمال "خيرسون" ، بلغت فى مجموعها نحو 3% من مساحات السيطرة الروسية ، لكن الهجمات الأوكرانية المتسارعة ، بدا أنها تفقد قوة اندفاعها أخيرا ، بعد إعادة تنظيم القوات الروسية والحليفة ، مع إتمام مراحل "التعبئة الجزئية" ، وإعادة بناء خطوط دفاع أقوى ، وتحول الروس مجددا إلى الهجوم ، بعد توقف عسكرى استمر شهورا ، وهو ما بدا معه ، أن آمال التحالف الغربى تتراجع ، وأن هدف اقتناص مدينة وميناء "خيرسون" لن يتحقق بالسهولة التى تصوروها ، خصوصا مع الإنهاك الاقتصادى الغربى ، وفشل 12 ألف عقوبة غربية  فى خلخلة الاقتصاد الروسى ، وارتداد أثر العقوبات على الغرب الأوروبى بالذات ، وظهور تشققات فى جدار الاتحاد الأوروبى ، دفعت ألمانيا الأكبر اقتصادا فى أوروبا إلى التصرف المنفرد ، وتخصيص 200 مليار يورو لتخفيف أثر أزمة الطاقة على مواطنيها وشركاتها ، مع إخفاق الشركاء الأوروبيين فى صياغة قرارات موحدة لمجابهة خفض إمدادات الطاقة الروسية ، وتضاعف فواتير الطاقة البديلة الموردة  من أمريكا إلى أربع مرات ، وتصاعد ميل الدول الأوروبية الوازنة إلى استعادة التواصل مع موسكو ، والبحث عن سبيل لوقف الحرب ، مع غضب واحتقان زائد فى المجتمعات الأوروبية ، يدفعها إلى ضيق مرئى بفداحة تكاليف حرب أوكرانيا ، ومعاقبة الحكومات الأوروبية المتحمسة أكثر لمسايرة واشنطن ، وإلى حد بدت معه حكومات شرق أوروبا المنساقة أكثر للمحور "الأنجلوساكسونى" الأمريكى والبريطانى فى أحوال صدام مع ألمانيا نفسها ، واتهم رئيس الوزراء البولندى ألمانيا بخيانة أوكرانيا ، والسعى لوصل ما انقطع مع موسكو ، حتى لو كان الثمن هزيمة أوكرانيا ، بينما لم تعد "برلين" تحفل كالسابق بالاتهامات البولندية وغيرها ، بعد أن ارهقت الحرب اقتصادها ، وأثقلته بخسائر تزيد هذا العام على 64 مليار يورو ، ويتوقع أن تصل إلى 110 مليارات يورو فى العام المقبل ، وهو ما يعنى خسارة نحو 3% من الناتج القومى الألمانى ، وقد قدمت "برلين" كثيرا من السلاح والمعونات لأوكرانيا  وللاجئيها ، وضاعف من الضيق الألمانى ، مطالبة المسئولين البولنديين لألمانيا بتعويضات عن حرب هتلر تصل إلى تريليون و300 مليار دولار ، وكلها ضغوط تدفع ألمانيا فى طريق التمرد النسبى على الإملاءات الأمريكية وتوابعها ، وطرق باب روسيا عبر الصين شريك "برلين" التجارى الأول ، فالمستشار الألمانى "شولتز" بات يدرك أن العالم يتغير ، وأن تعدد الأقطاب زاحف إلى توازنات القمة الدولية ، ويريد الرجل دورا قياديا لبلاده فى العالم الجديد ، ولم يتردد فى إعلان رأيه ، وإبلاغه حتى للرئيس الأمريكى "جو بايدن" ، الذى يخشى اتساع التمرد الألمانى ، ويريد على ما يبدو إجراء تعديلات فى مسارات التعبئة ضد الصين وروسيا ، وهو اتجاه يبدو إجباريا ، بالذات بعد ما جرى فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس بمجلسيه ، وفوز الجمهوريين بأغلبية مجلس النواب ، وتوقع تنصيب الجمهورى "كيفن مكارثى" رئيسا لمجلس النواب الجديد ، ولم يكتم "مكارثى" رأيه حتى قبل الانتخابات ، وقال أن أوكرانيا لن تأخذ مزيدا من الشيكات الأمريكية "على بياض" بعد اليوم ، وهو ما قد يعنى إعاقة لسياسة "بايدن" فى الميدان الأوكرانى ، وقبض يد الإنفاق الأمريكى على حرب أوكرانيا ، خصوصا مع تحكم الكونجرس فى التصرفات المالية للحكومة الأمريكية ، وتراجع نفوذ "بايدن" الرئاسى  ودعم حزبه الديمقراطى ، وتصاعد أزمات ومآزق التضخم وارتفاع الأسعار ، ونمو نزعة حرمان أوكرانيا من عشرات مليارات الدولارات ربما يحتاجها الأمريكيون أولا ، وهو ما قد يقود واشنطن وصناع سياساتها إلى إعادة نظر فى الموضوع الأوكرانى كله ، والبحث عن طريقة لوقف الحرب ونزيفها المتصل ، ومن دون اشتراط لهزيمة روسية مستحيلة الحدوث .

والخلاصة فيما نتصور ، أن روسيا قد تكون مضطرة لمواصلة حملة الشتاء ، وإكمال السيطرة على ما تبقى من أراضى الأقاليم الأربعة الأوكرانية التى ضمتها رسميا ، مع إمكانية واردة لترك مناطق فى شمال مقاطعتى "زاباروجيا" و"خيرسون" ، خاصة أن مرسوم الضم الصادر عن مجلس "الدوما" الروسى ، لم ينص على التحديد النهائى الدقيق لمساحتى "زاباروجيا" و"خيرسون" ، وتركه لمشاورات لاحقة مع القيادات المحلية ، بينما كان النص ظاهرا على ضم "دونيتسك" و"لوجانسك" إقليمى "الدونباس" إلى كامل الحدود الإدارية ، وربما يكون ذلك تمهيدا لوقف القتال من الجانب الروسى ، ربما باتفاق ضمنى مع واشنطن يلجم أوكرانيا ، ودونما حاجة إلى تفاوض يكون "زيلينسكى" طرفا فيه ، ولا لإعلان موافقة غربية رسمية على ضم موسكو للأقاليم الأربعة ، تماما على نحو يشبه ما جرى فى واقعة ضم "القرم" قبل سنوات ، أى فرض أمر واقع مصحوب بإيقاف إطلاق النيران الروسية ، وبرسم حدود تنتهى غربا عند ضفاف نهر "دنيبرو" .
------------------------------
بقلم : عبدالحليم قنديل
[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:40
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
19.7°C
توقعات الساعات القادمة
19.7°C
19.4°C
19.2°C
18.9°C
18.3°C
17.6°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...