من وحى نزهتى اليومية
كلما وصلت في رياضتي إلى عزبة يوسف، أقف مذهولا وتتوالى دقات قلبي كلحن شجي.
لا زالت أطلال مملكة الحاج محمد عطية في مدخلها، تروى قصتها الطويلة، التي استغرقت نصف قرن أو يزيد.
لم يبق من الدكان والظلة التي كانت أمامه، سوى أحجار وأخشاب متناثرة، تكاد تختفي في جوف العدم.
هنا كانت محطة للراحة، يجلس فيها المارة اتقاء وهج الشمس.
يجلس بينهم صاحب المكان، الحاج محمد بجلبابه الأبيض، معتمرا طاقية من نفس اللون، بينما يحتفظ وجهه الأسمر البرئ بابتسامة عذبة يقدمها للجميع.
أعرف رواد المحطة بالاسم، فهم يأتون من العزب المجاورة: الجاهل والشعراوى والسبكى وعلام ومجاهد وعوض الله والسيد عبد السلام.
كم دارت بينهم حوارات حول السياسة والزراعة والطرائف والمشكلات والأوجاع والأشواق والمعجزات والفشل والموت.
وكم ارتفعت ضحكات دافئة بالحب والمودة، وزفرات محملة بمشقة انتظار الآمال البعيدة.
يهب صاحب الدكان كلما قدم زبون ليمنحه احتياجاته، ثم يعود ليستأنف فرحته وألمه.
كانت تقف خارج المحل الصغير ثلاجة بدائية حمراء من الخشب، مكتوب على جدرانها: اشرب كوكاكولا، مليئة بالزجاجات وبعمود من الثلج المحطم فوقها.
عندما يتصاعد الصهد من حلوق الرجال، وتقف الشمس فوق رؤوسهم عنيدة حارة، تمتد أيديهم إلى المفتاح الحديدي الصدئ المعلق في الثلاجة.
ترتفع أصوات فتح الزجاجات وخروج الهواء المختزن كالطلقات، وقبل أن تفور وتفقد الصودا، يقذفون محتوياتها بلهفة مستمتعين بالطعم الحريف والغازات التي تخرج من أفواههم.
بعد وصول الكهرباء، جاءت ثلاجة حديثة أكبر حجما، كانت تصدر أزيزا منتظما طول اليوم ، وتبرد الزجاجات دون الحاجة إلى عمود الثلج.
أمام الدكان على شاطئ الترعة ثمة توتة تطرح ثمارا شهية بيضاء، وترسل نسمات رخية محملة بليونة الماء.
يترك الحاج محمد غلمان الناحية يصعدونها حتى ينتهي الموسم، ويشعر بوحشة الخريف وتساقط الأوراق صفراء ذابلة، فتختفي أرجل الأحبة الصغار.
يظل الدكان مفتوحا حتى المغرب، ثم يركب جحشته المربوطة طول اليوم، تأكل وترهف أذنيها لما يقال.
على بعد خطوات يقف الجامع الذي بناه صاحب العزبة، جليلا مزخرفا كتحفة إيمانية ومعمارية، تتردد فيه أنفاس طاهرة، ودعوات عميقة، وأمنيات مشبوبة.
لم يصبح شئ من ذلك كله موجودا.
الحاج محمد عطيه الجميل، مرض وأغلق المحل بالدرفيل والقفل، ثم رحل في صمت.
رحل من بعده بالتتابع معظم الرواد الطيبين المسكونين بالحنين والشغف والصبر.
أهمل المكان فلعبت به يد الزمن لعبا ذريعا، لم يعد سوى الخواء والفراغ والنفايات تتلاعب بها الريح.
أغلق المسجد أيضا أبوابه، حيث تسلخت جدرانه وتضعضع سقفه، وران عليه سكون ثقيل، فانطوى على نفسه يجتر الهمهمات القديمة الحلوة، وروائح الأحبة العالقة بالحصير الممزق.
---------------------
بقلم: سمير المنزلاوى
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
الصبي والبلطجي!!
قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)
تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري