السبت، 07 نوفمبر 2026 القاهرة 17.7°C
رئيس التحرير مجدي شندي

من غير ميعاد

من غير ميعاد
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:48

تتزاحم في رأسها مخاوف سوداء ، حتى وإن رضيت من قسمتها بهذه العزلة ، تجاهد نفسها فرارا من شعاع الذكريات المتدفق بالحيرة ، صممت على ألا يربطها بمن حولها رابط ، نجحت لسنوات في اسدال الستار عن المشهد ، حتى ذاتها ، غيبتها بين طيات ثيابها السود التي ترفض استبدالها.

" اعتدال " جلبها الحاج " مدكور " تاجر المواشي الكبير من مسقط رأسه ، فتاة ريفية ساذجة ، على قدر وافر من الملاحة والصبا ، قد غلف الفقر جمالها بغلالة كثيفة ، كانت ابنة لصديقه " عوض " وعوض فلاح بسيط لا يملك غير فأسه وشرفه ، وتلك ثروة الريفي ومدخره ، رآها " مدكور " في أحد الأفراح ، ساعتها لمعت عيناه ،واشتد وجيب قلبه ، ظل يشتهيها بكل جارحة من جوارحه ، تفجرت في العجوز ينابيع غنية من الحب والوله ، لم يهنأ له بال ؛ حتى ضمها إليه ، عاشت الفتاة سنوات تنعم في عز باذخ ، فتكشفت مفاتن جسدها الحارة ، وبرقت طازجة تسر الناظرين ، فبدت غزيرة الأنوثة ، رأت من عطفه ما أنساها الفقر وأيامه ، فانجذب قلبها إلى قلبه ، رغم ما بينهما من فارق العمر.

لم تدم سعادتها طويلا ، ولم يهنأ بالتنعم في بستان حبها الجني ، غادر الحياة دون إنذار ، تبخرت برحيله كل طمأنينة ، وجدت نفسها وجها لوجه مع مصير تجهله ، فكان منها ما كان.

وبين عشية وضحاها تبدلت أحوالها  ، شعرت وكأنها خلقت خلقا جديدا ، رويدا رويدا انقشعت منابت الألم ، انبسطت أساريرها ، ولمعت عيناها، ألقت عنها السواد ، واقبلت ثانية تعانق الحياة ، والسبب في هذا " محسن " ابن جارتها "عطيات" ، و" محسن " شاب لعوب طائش، أوتي قدرا من الملاحة والظرف ، لا تفارق محياه ابتسامته الصاخبة ، يمرح ويلهو وكأنما ليس في الحياة غير المرح والانطلاق ، تسلل خلسة إلى حياتها ، وفرض بصخبه نفسه عليها ، زاحمها وسد عليها جميع مسالكها حتى استسلمت ، أحست  بأن مشاعرها لم تزدهر بهذه الطريقة من قبل ، ما إن تلمحه وقد اقبل ، إلا وتخف إليه في تلهف كمراهقة صغيرة، تتطلع نحوه في إحساس هائم لذيذ ، يبادرها بالتحية في مشاكسة ، فتصغي إليه منتشية ، تلعقه بعيونها ، نجحت في أن تجعل وسيلتها إليه ما بينها وبين أمه من صداقة، أما هو ، فلم يدخر وسعا ليكسر الطوق الذي فرضته من حولها لسنوات ، أن يخرج كوامن الأنثى المتشظية ، حركت كلماته المعسولة شيئا فيها ، نفخت الرماد من فوق جمرات لا تزال ملتهبة في جوفها ، جعل منها كائنا آخر يسيل بالمشاعر ويهتف بالحب .

لم يدم الأمر طويلا ، اسقطت في يده ، لتتطور الأمور بينهما نحو المنحدر، لم تعد تسعه وحدها الكلمات، كانت وفي كل مرة تجلس إلى نفسها منهزمة ، تمضغ القلق ، تتوق أن يطير خبر تعلقها بفتاها فيملأ الدنيا ، لكنها مع هذه تكره الذكرات التي عصرت شبابها، تكره أن تعود إليها، ماذا تفعل وقد وجدت ما يؤجج عاطفتها، ويجدد ثقتها بالحياة ، " محسن " ، وإن يصغرها ، وإن ظنت فيه الظنون لا يهم ، إنه فتاها الوفي، أنه محررها من قيودها الثقيلة التي كبلتها لسنوات ، سريعا ذاب التحفظ بينهما ، لتعطيه كل شيء كانت ترده عنه ، أسلمت قيادها إليه يوجهها كيفما شاء ، قالت يوما ، وقد انتشرت أبخرة الرغبة تحجب كل تفكيرها :" لماذا أخاف الناس ، هذه حياتي وحدي ، والإنسان يعيش لمرة واحدة ، يكفي ما ضاع مع تاجر البهائم " ، التمعت عينها سرورا ، عزمت من وقتها التحرر من هذا الهوان الذي تقاسيه ، استجمعت شتات نفسها ، لتقول وآي الاهتمام ترتسم على محياها :" لنتزوج ، نعم الزواج هو الحل الوحيد ، لتخرس ألسن الناس ، واحتفظ بحبي" ، انتظرت مجيئه، هذا موعده لماذا تأخر ؟ ، حاولت أن تخفف من ثورتها ، غاصت بسمتها الوليدة ، اطرقت هنيهة حاولت فيها استجماع شتات نفسها الموزعة ، انفجر في رأسها خاطر ، لتجيب بصوت محموم :" لأذهب إليه وليكن ما يكون "، توالت طرقاتها في توتر ، انفرج الباب قليلا ، اطلت والدة " محسن " بوجه كالح على غير العادة ،وقد انفرجت أسنانها عن ابتسامة خبيثة ، لتقول هازئة :" لقد سافر محسن فجرا ، سافر إلى الكويت " ، ثم أغلقت في وجهها الباب ، دارت الأرض بها ، قالت وقد تلون وجهها بجمر الغضب :" سافر؟!" ، عادت تجر أذيال خيبتها ، مشت في صمت مبهورة الأنفاس زائغة البصر، وفي الصباح كان " عبده " السمسار يعاين بيتها ، لقد عرضته للبيع ، بعدما قررت الرحيل.
---------------------------------------
قصة قصيرة يكتبها: محمد فيض خالد

تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
17.2°C
توقعات الساعات القادمة
17.2°C
16.8°C
16.4°C
16.1°C
16.3°C
17.3°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,074ج.م
عيار 21
6,190ج.م
عيار 18
5,306ج.م
الجنيه الذهب
49,520ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...