"ممر بهلر": حين تتقمّص الرواية وهم القيادة
هل يستطيع المثقف أن يتنازل عن موقع "الكاتب" حتى لا يُفسد الثورة؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الذي تطرحه علينا الرواية الممنوعة "ممر بهلر" للكاتب علاء فرغلي، وهو سؤال مناسب لزمن الحنين إلى لحظة لم تكتمل، لكن الإشكال لا يكمن في السؤال ذاته، بل في كونه السؤال الخطأ، فالرواية لا تناقش قدرة المثقفين على القيادة بقدر ما تكشف مأزقهم حين يتخيّلون أنفسهم قادة، ليس بوصفهم جزءًا من الجماعة، ولكن بوصفهم من يكتب سيناريو ثورة تخوضها تلك الجماعة، من هنا، يمكن قراءة «ممر بهلر» ليس بكونها رواية عن الثورة، بل كرواية عن وهم السيطرة على الثورة، وعن تلك المسافة الخفيّة التي تفصل المثقف عن الفعل حين يتحوّل الوعي إلى سلطة بديلة.
ثورة مكتوبة
يضعنا الراوي منذ الصفحات الأولى داخل ما يشبه «غرفة عمليات»، حيث تُناقَش الثورة كما تُناقَش رواية، شخصيات، أدوار، احتمالات، خصوم، ذروة، ثم نهاية متخيَّلة سعيدة، هذا التشابه ليس مجازًا عابرًا، بل هو العمود الفقري للنص، فالبطل، وهو محرّر أدبي وروائي، لا يتعامل مع الثورة بوصفها حدثًا تاريخيًا مفتوحًا على الفوضى، بل بوصفها مشروعًا سرديًا يمكن ضبطه.وحين تُدار الثورة بعقل روائي، تتحوّل من فعل تاريخي غير قابل للتنبؤ إلى فانتازيا منظمة، يُعاد فيها إنتاج السلطة باسم الوعي.
أعتقد أن أخطر ما في "ممر بهلر" ليس رصدها لمظاهر الفساد في الوسط الثقافي، فهذا سهل وقد يكون مُمتعا، ولكن تشبيهها الثورة بفعل الكتابة، تقول الرواية: "سنكتب الثورة كما نكتب رواية ذات نهاية سعيدة"، هنا تحديدا تضعنا الراوية في مواجهة مفارقة قاتلة، فالرواية تفترض سيطرة المؤلف، بينما الثورة تفترض فقدان السيطرة، وحين تُدار الثورة بعقل روائي، تصبح الشخصيات مجرد أدوات، والجماهير مادة خام، والاعترافات مشاهد لازمة للتطهير الدرامي، والسجن فصلًا ضروريًا قبل الذروة.
باختصار نجد أنفسنا كقراء أمام ثورة مكتوبة بعد وقوعها، وليس ثورة تُخاطر بحدوثها، ونحن كقراء قد نعجب بفكرة التطهّر، الاعتراف، خلع الأقنعة، ذوبان الأنا في الجماعة، لكن الرواية لا تُقنعنا بأن هذا تحوّل اجتماعي، فبعد تأمل يغلب علينا الظن أننا أمام طقس كاثوليكي جماعي، نخطئ ثم نعترف وبعد الحصول على الغفران نتولى القيادة.

حياد أم تهرّب؟
الراوي بلا اسم، لكنه لديه سلطة، بل هو - في الرواية - الأكثر تسلّطًا، فهو يختار، يوزّع الأدوار، يقرأ دواخل الجماهير، ثم يحدّد لحظة الانفجار، يضع الخطط البديلة، ويرى ما لا يراه الآخرون، إن غياب اسمه هنا ليس معناه التواضع، ولا يلغي السلطة، ولكن يخفيها خلف قناع، هو مثقف يرفض الامتيازات الشكلية، لكنه يحتفظ بامتياز أخطر، وهو امتياز التأويل والقيادة من الخلف، وهو بذلك يتنصّل من المسئولية أو لعله يعد العدة للهرب من المحاسبة، إنه مثقف يريد الثورة لكنه ليس مستعدا لأن يتحمل تكلفة أن يكون واحدًا من الثوار، وهكذا لا يختلف كثيرًا عن النخبة التي ينتقدها، مع أنه في الحقيقة يعيد إنتاجها وإن صيغة أكثر نعومة.
اعتراف جماعي
تتميز الرواية بجرأتها في فضح فساد الوسط الثقافي، إذ تعرض نماذج الانتهازية، العلاقات المشبوهة، تديين الثقافة، تسليع الجسد، الورش، الجوائز، النقد المدفوع، كلها عناصر مرصودة بدقة، وأحيانا بسخرية لاذعة، لكن هذا الرصد، ينقلب تدريجيًا إلى آلية تبرير، فالشخصيات الفاسدة لا يتم اقصائها، ولكن تُمنَح فرصة التطهّر عبر الثورة، وكأن الخطاب الضمني هنا يقول نعم، نحن فاسدون لكن وعينا بفسادنا يمنحنا أحقية القيادة، غفران الفساد هنا وإعادة تأويل السقوط ينزلق بالرواية من النقد إلى الطهرانية الأخلاقية، وكأن الاعتراف العلني أصبح بديلاً عن المحاسبة، وكأن الثورة تتحوّل إلى طقس اعتراف جماعي وليس إلى قطيعة مع منطق الفساد نفسه.
حضور صامت
تحتفي الرواية كثيرا بالجماهير، لكنها لا تصورهم إلا صامتين، نراها تتحرك، تهتف، تمتلئ بها الميادين، لكننا لا نسمع صوتها الداخلي، ولا نعرف تناقضاتها، ولا ارتباكها، ولا انكساراتها، الجماهير هنا ليست فاعلًا تاريخيًا، بل شخصية جماعية بلا وعي مستقل، تتحرّك حين يُشعل أحدهم الفتيل، وتهدأ حين تكتمل الحبكة، وهذا أحد أخطر أوهام الرواية، الاعتقاد بأن الغضب يمكن توجيهه كما تصاغ الجملة داخل فقرة.
إن رواية "ممر بهلر" تكتب ثورة يناير بعد أن عرفت نهايتها، وتحاول إنقاذ الحلم من خلال إعادة صياغته أدبيًا، ولهذا تبدو حالمة أكثر من اللازم، ونظيفة أكثر من الواقع، ومتصالحة أكثر مما تسمح به التجربة التاريخية، وهي بكل ذلك تبدو كشهادة على جرح لم يلتئم، ومرآة تكشف مأزق المثقف حين يظن أن الوعي وحده يكفي، وأن الجماهير صفحة بيضاء، وتظن أن التاريخ يمكن إعادة كتابته كما تُراجع مسودة رواية، إنها رواية الخوف من الفوضى أكثر من الظلم، ورواية الحنين إلى ثورة لم تُهزم لأنها لم تُخض بعد.
---------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها
شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
"سوبيبور" عرض مسرحي في القاهرة يزيف التاريخ ويستجدي التعاطف مع يهود الهولوكوست
لا يوجد نص أدبي تأتي فكرته من الفراغ، فأي كاتب حتى من يكتب الكوميديا تكون لديه رسالة أو هدف مما يكتب...
120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب
كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري