الاثنين، 02 نوفمبر 2026 القاهرة 27.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي

مكافأة على العدوان أم التزامٌ بالكيان

لم تكد نار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تخمد، وتخبو ألسنتها القاتلة، وينطفئ لهيبها الحارق، حتى انهالت المساعدات الدولية على الكيان الإسرائيلي من كل جهات الدنيا الأربع، ونصبت إليها جسور الإغاثة الدولية من كل مكان، بسرعةٍ وعجل، وهمةٍ ونشاط، وإيمانٍ وواجبٍ، وكأن الإسرائيليين هم المعتدى عليهم، وهم الذين تعرضوا للقصف والدمار والتخريب والتشريد والضياع، وكأنهم كانوا في حالةٍ مزريةٍ، وظرفٍ صعبٍ يملي على المجتمع الدولي التعاطف معهم، والإسراع إلى نجدتهم والوقوف إلى جانبهم، الذي صدق الخبر ولم يتأخر، ولبى النداء ولم يقصر، وقدم ما غاية ما يستطيع ولم يبخل.

ربما نجح الإسرائيليون في عرض مأساتهم، وبيان معاناتهم، وشرح قضيتهم، فأنتجوا على عجلٍ، بدقةٍ وإتقانٍ مجموعةً من البرامج والتسجيلات الوثائقية، التي تظهر حالة مستوطنيهم، وآثار الصواريخ التي سقطت على بلداتهم، وقد ركزوا على حالات الخوف والهلع التي أصابت مواطنيهم، ودخولهم إلى الملاجئ، وتعطل أعمالهم ودراستهم، فضلاً عن ذكر الأرقام والبيانات التي تظهر الخسائر المالية، والأضرار المادية، وحجم الخسائر التي لحقت باقتصادهم جراء العمليات العسكرية، والتي كان من شأنها إغلاق مطار اللد الرئيس، مما عطل الملاحة الجوية، وأوقف الرحلات منه وإليه، وغير ذلك مما يشي بخسارتهم، ويدل على تضررهم.

صدق المجتمع الدولي الكذبة الإسرائيلية، بل وروج لها ودعا إليها، وشارك في نشرها وتعميمها، وكأنه قد أصابه الهلع والخوف لما لحق بهم، فهب إلى النجدة، وسارع إلى تقديم العون، وحثت الدول بعضها وغيرها إلى التعجيل في مساعدة الكيان الإسرائيلي، وعدم التقصير أو التأخير في تقديم العون على اختلاف أنواعه، وألا يكون الدعم والإسناد للحكومة والمؤسسة العسكرية والأمنية فقط، بل ينبغي أن تصل المساعدات إلى السكان الذين تضرروا، والبلدات التي أصابتها الصواريخ، ولهذا تداعوا إلى ضرورة إنعاش الاقتصاد الإسرائيلي، وحقنه بالمنشطات لإعادة الفعالية والقوة إليه، خشية الانهيار، وخوفاً من هروب رؤوس الأموال ورحيل أصحابها.

ربما رافق هذه المساعي الدولية الكثير من السرية والتكتم، فلم تفصح كثيرٌ من الدول عن حجم وطبيعة مساعدتها للكيان الصهيوني، بدافع الخجل أو الحياء من حجم الجرائم الإسرائيلية التي أُرتكبت في حق الشعب الفلسطيني، أو خوفاً من الغضب الشعبي الذي قد لا يرضى عن أداء الحكومات، ولا يقبل بدعمها لسياسة العدوان، خاصة أن العديد من شعوب دول أوروبا الغربية وغيرها قد خرجوا في مظاهراتٍ غضباً واستنكاراً لما يرتكبه الإسرائيليون في قطاع غزة، وقد أدانوا فعلها، وطالبوا حكومات بلادهم باستنكارها ورفضها.

ولكن هذا لم يمنع تسريب بعض جوانبها، وكشف حقيقتها، ذلك أن للمساعدات الدولية المقدمة للكيان الصهيوني غاياتٌ عقائدية، ودوافع سياسية، ومصالح اقتصادية، وتوافقات استراتيجية كبيرة، وجوانب خفية قديمة، لا يمكن إغفالها أو تناسيها، أو تركها والتخلي عنها، مخافة غضب الشعوب واستنكارها، أو تماشياً مع المزاج الشعبي العام الغاضب والمستنكر.

خلال فترة العدوان ناشد مسؤولون أمريكيون ومنهم الرئيس الأمريكي باراك اوباما شخصياً، شركات الطيران الدولية التي امتنعت عن تسيير رحلاتٍ إلى الكيان الصهيوني، ضرورة التراجع عن القرار، والتوقف عن المقاطعة، واستئناف الرحلات الجوية، في الوقت الذي نشطت فيه المنظمات الصهيونية والمتعاطفة معها في مساعيها لتعويض القطاع السياحي، والعمل على عدم انهياره، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسياحة الدينية المرتبطة بالقدس، التي يفوق عددها سنوياً ستة ملايين سائح.

كما أقرت الإدارة الأمريكية إبان العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، منح الحكومة الإسرائيلية مساعدةٍ ماليةٍ عاجلة بقيمة 243 مليون دولار، صادق الكونجرس الأمريكي عليها بسرعةٍ، كما زودتها بأسلحة ومعداتٍ عسكرية، وذخائر قتالية، لمواجهة النقص المستمر في مخزونها العسكري، وفتحت لها مخازنها الاستراتيجية داخل الكيان الصهيوني، وأتاحت لها فرصة الاستفادة منه.  

حيث كشفت محافلٌ عسكريّة صهيونيّة، أنَّه تمّ تزويد الجيش بالأسلحة والعتاد العسكري الأميركي من المستودعات العسكريّة الموجودة في "إسرائيل" خلال حرب غزة الأخيرة، مشيرةً إلى أنَّه منذ اليوم الأول للحرب على غزة حولت واشنطن ملايين الدولارات لتحصين نظام القبة الفولاذية، وتمكينه من صد صواريخ المقاومة ومنعها من الوصول للعمق الصهيوني، بالإضافة إلى الدعم الأميركي في المستوى المالي للإبقاء على اقتصاد "إسرائيل" قوياً داعماً للحرب على غزة، وبرر مسؤولون أمريكيون المساعدات الأمريكية للكيان الصهيوني خلال فترة الحرب، بأنَّ "إسرائيل" تؤدي دوراً مهماً في إطار المصالح الأميركيّة في الشرق الأوسط.

أما ألمانيا التي أيدت إسرائيل في عدوانها على قطاع غزة بهدف نزع سلاح المقاومة، وتأمين المستوطنين والبلدات الحدودية، بحجة الدفاع عن نفسها وتحصين أمنها، فقد حررت سلسلة من المساعدات المالية والعسكرية للكيان الصهيوني، وعجلت في تنفيذ بعض الصفقات القديمة، وزودتها بمنصاتٍ مائيةٍ، وبطارياتٍ للغواصات، وأسلحة معداتٍ عاجلة، كما ضاعفت في قيمة المساعدات المالية التي تقدمها سنوياً إلى ورثة ضحايا الهولوكوست، بحجة التخفيف من معاناتهم خلال الحرب.

أما بريطانيا فقد عجلت في تزويد الكيان الصهيوني بذخائر قتالية مختلفة، وصادقت على صفقاتٍ قديمة بقيمة 72 مليون دولار، رغم اعتراض اللجنة البرلمانية المعنية بمراقبة تصدير الأسلحة البريطانية إلى أماكن التوتر المختلفة في العالم، التي تأتي في مقدمتها الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كثيرةٌ هي المساعدات الدولية التي تدفقت إلى الكيان الصهيوني خلال فترة الحرب على قطاع غزة وبعدها، وما زالت تتدفق وتتوالى، بعضها سريٌ لا يكشف عنه خاصةً إذا كان عسكرياً، أو خشيةً من غضب الشعوب، وبعضها يتم الإعلان عنه والتنافس فيه، وكأن الكيان الصهيوني يعيش أزمةً حقيقية، ويحتاج إلى هبةٍ أممية، بينما عيون العالم لا ترى حجم المآسى المهولة التي سببتها مساعداتهم للكيان، وأسلحتهم المصدرة إليه، التي دمرت القطاع وجعلته حطاماً لا يصلح للعيش، ولا يفي بحاجات الإنسان، أليست هذه ازدواحية مقيتة، وعنصرية بغيضة، وانحيازٌ للظلم أعمى، ونصرةٌ للعدوان مقصودة، وتخلي عن الضحية بقصدٍ وحقدٍ.

 
استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة05:26
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
27.6°C
توقعات الساعات القادمة
27.6°C
25.9°C
24.8°C
24.1°C
23.5°C
22.2°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مقاول يوهم المسؤولين في قنا بالتبرع لإعادة بناء 3 مدارس ثم يهرب بعد هدمها والاستيلاء على مخلفاتها

شهدت مدينة نجع حمادى بشمال قنا واقعة غريبة، كشفتها تقارير رقابية، حيث تعرضت مديرية التربيه والتعليم...

البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"

لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...

وسط البلد الباهر!

وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....

بالفيديو .. د. فادي نصر يشرح الجدول الزمني للإجراءات التجميلية

شرح الدكتور فادي نصر، مدير مركز غلامور الطبي بالرياض، الجدول الزمني للإجراءات التجميلية. حيث أكد أن...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,017ج.م
عيار 21
6,140ج.م
عيار 18
5,263ج.م
الجنيه الذهب
49,120ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...