معجزة مهاتير الحقيقية
فى رأيى أن معجزة مهاتير محمد لم تكن هى تحويل ماليزيا فى أقل من ربع قرنٍ من دولةٍ زراعيةٍ متخلفة تعتمد على مُنتَجٍ واحدٍ (المطاط) وأكثر من نصف سكانها (52%) تحت خط الفقر إلى مجتمعٍ صناعىٍ متقدمٍ تَضاعف متوسط دخل الفرد فيه سبع مراتٍ (8862 دولاراً) وانخفضت نسبة من هم دون خط الفقر عشر مرات لتصل إلى 5% فقط .. فقد تحقق مثل هذا الإنجاز على أيدى آخرين فى مجتمعاتٍ أخرى وفى نفس الفترة الزمنية تقريباً … معجزة مهاتير الحقيقية أنه فعل ذلك فى بلدٍ متعدد الأعراق والأجناس والأديان، بينهم تاريخٌ من الصراعات والاحتقانات والمجازر والاضطرابات العرقية .. بينما ابتُلِيَت مجتمعاتٌ هى فى الأصل متجانسة بحكامٍ يؤسسون حكمهم على أعمدة الاحتقان والكراهية التى يتم تقويتها عن عمدٍ وتشطير مجتمعاتهم إلى ثنائيات الفتنة التى لا تنتهى .. مسلم ومسيحى .. عسكرى ومدنى .. وظائف سادة ووظائف عبيد .. شباب وشيوخ .. ثوار وفلول .. معارضون خَوَنَةٌ وعملاء، ومؤيدون وطنيون وأنقياء .. إلخ.
حضرتُ محاضرة هذا الزعيم الأسطورى فى مكتبة الإسكندرية سنة 2004 .. عَرَّفَ الرجلُ نفسه فى بداية المحاضرة بأنه مسلمٌ علمانى .. أُصِيبَ معظم من فى القاعة بالوجوم من هول المفاجأة .. إذ كيف يمكن أن يكون الرجلُ مسلماً وعلمانياً فى آنٍ واحدٍ .. ولولا أن الرجلَ تسبقه هالةُ إنجازاته لما استمرت المحاضرة .. بعد المحاضرة، اكتشفتُ أن الكثيرين (من ذوى المؤهلات العليا) يضعون مصطلحات العلمانية والليبرالية والمدنية والاشتراكية والناصرية (وكل ما ينتهى بالياء والتاء المربوطة) فى سَلَّةٍ واحدةٍ عنوانها الكُفْرُ والإلحاد والزندقة .. كان ذلك من آثار الزحف الوهابى على بلد الأزهر .. عرفنا بعد ذلك كيف أن هذا التعريف البسيط (مسلم علمانى) كان مفتاح نجاح تجربة هذا الرجل .. هو مسلمٌ شديد التَدَّيُن على المستوى الشخصى بلا رياءٍ ولا دروشة .. لكنه علمانىٌ كحاكم .. بمعنى أن الدولة تحت قيادته تقف على نفس المسافة من مواطنيها .. أيَّاً كانت ديانتهم (إسلام أو بوذية أو مسيحية) .. أو عِرقُهم (صينيون أو هنود أو ملايو) .. أو وظيفتهم (ضباط أو قضاة أو أطباء .. أو جامعو قمامة) .. دولة المواطَنَة .. الدولة العادلة .. بعد ذلك كان طبيعياً أن يتحقق الإنجاز .. فكتالوج التقدم واحدٌ .. بدأ بالتَعَّلُم فالتعليم .. لم يَدَّعِ هذا الطبيب (وهو طبيبٌ فعلاً) أنه طبيب الفلاسفة أو أنه يتلقى الإلهام من السماء (ففهمناها سليمان) .. وإنما دَرَسَ بتواضعٍ كيف نجحت سنغافورة الصغيرة اقتداءً باليابان .. وكَّوَن مع مستشاريه ووزرائه أول حلقة جودة .. كانوا يجلسون معاً للعصف الذهنى واقتراح الحلول .. وبعدها أصبحت هذه الحلقات أسلوب حياةٍ فى البلد كله .. معجزة مهاتير أنه وَحَّدَ شعباً مُفتَتاً .. بينما يُفتتُ غيرُه شعباً مُوَّحَدَاً .. نجح مهاتير ومعه ماليزيا لأنه ببساطةٍ كان رئيساً صادقاً .. عُقبَى لنا.
--------------------
المقال منشور في المشهد الأسبوعي (عدد الثلاثاء 29 - 5 - 2018)

آ
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
البحث عن «أمل» في "جمهورية الخوف"
لم يخطر ببال الشاعر الراحل سيد حجاب عندما صاغ ديباجة دستور 2014، أن مجرد التفكير في المشاركة السياسي...
حكم رسم الأنمي وكيفية التخلص من إثمه
السؤال:أشكركم على هذا الموقع. سؤالي: أنا أحب رسم الأنمي كثيرا، فقد مضت سنة على رسمي له، لك...
حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة
السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...
د. فادي نصر: هذه طرق الوقاية من أضرار الشمس
أكد الدكتور فادي نصر أن هناك طرقا للوقاية من أضرار الشمس ومنها اسمرار البشرة وحروق الجلد وكذلك سرطان...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري