مضيق هرمز واللعبة الكبرى في الريملاند.. حين غيّرت الحرب ساحةَ اللعبة
ربما لا تستطيع إيران مجاراة الولايات المتحدة في القدرات العسكرية، لكنها، من خلال سيطرتها على المضائق، استهدفت النقطة ذاتها التي قامت عليها الهيمنة الأميركية طوال العقود الثمانية الماضية: السيطرة على الممرات المائية العالمية.
** تغيير ساحة اللعبة
بدأت الحرب في 9 إسفند 1404 (28 شباط/فبراير 2026)، مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وانتهت حركة الملاحة عملياً في مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً. ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يشكّل النفط العابر لهذا المضيق أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، ونحو خُمس الاستهلاك العالمي. ولا تمتلك سوى السعودية والإمارات خطوط أنابيب تتيح تجاوز المضيق، فيما تُقدَّر طاقتهما الاستيعابية الفائضة بنحو 2.6 مليون برميل يومياً.
ووصفت الوكالة الدولية للطاقة ما حدث بأنه «أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية»، فيما أفرجت الدول الأعضاء فيها عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة. وارتفعت أسعار النفط من نحو 65 دولاراً للبرميل قبل الحرب إلى أكثر من 100 دولار.
قبل هذه الحرب، كان محور النقاش في واشنطن يتمحور حول البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والقوى المتحالفة مع إيران. لكن نحو أربعين يوماً من الحرب، حتى وقف إطلاق النار في 19 فروردين 1405 (8 نيسان/أبريل 2026)، دفعت هذه الملفات إلى الهامش، وأصبح السؤال الأساسي مختلفاً: من يسيطر على المضائق؟
انهار وقف إطلاق النار في 17 تير (8 تموز/يوليو)، وأعادت الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على إيران اعتباراً من 23 تير (14 تموز/يوليو)، بعدما كان قد فُرض للمرة الأولى في 24 فروردين (13 نيسان/أبريل). وفي الوقت نفسه، تصاعدت الهجمات على السفن في مضيق هرمز والمياه المحيطة به، إذ سُجّل 28 هجوماً خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر، فيما بلغ عدد الهجمات المسجلة منذ بداية الحرب 113 هجوماً، وفقاً لمؤسسة واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
** جذور النظام البحري الأميركي
بعد عام 1945، ورثت الولايات المتحدة عن بريطانيا موقع القوة البحرية العظمى. واستندت قدرتها على بسط نفوذها خارج حدودها إلى ركيزتين أساسيتين: السيطرة على الممرات المائية الدولية، وتعزيز حضورها في القارة الأوراسية عبر تحالفات من قبيل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وقد صاغ نيكولاس سبايكمان هذا المنطق في كتابه «جغرافيا السلام» الصادر عام 1944، قائلاً: «من يسيطر على الريملاند يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يمسك بمصير العالم».
ويُقصد بالريملاند الحزام الساحلي المحيط بأوراسيا، الذي يشمل أوروبا الغربية والشرق الأوسط والهند وشرق آسيا. ويقع مضيقا هرمز وباب المندب على الحافة الجنوبية لهذا الحزام الجيوسياسي.
كانت الولايات المتحدة تتوقع أن يأتي التحدي البحري الناجم عن صعود الصين من مضيق تايوان ومضيق ملقا. أما احتمال نشوء تحدٍّ من جانب إيران، التي لا يمكن مقارنة قدراتها العسكرية والاقتصادية بالقدرات الأميركية، فلم يكن حاضراً في تلك الحسابات.
** تقديرات ثبت خطؤها
في كثير من السيناريوهات المنشورة خلال العقدين أو العقود الثلاثة الماضية، كان يُفترض أن إعادة فتح المضيق لن تستغرق سوى أسبوع أو أسبوعين، وأن إغلاقه يمكن تحقيقه بإغراق سفينة واحدة أو زرع الألغام البحرية.
لكن الواقع جاء مختلفاً؛ إذ اعتمدت إيران أدوات وأساليب أخرى لإدارة الاضطراب البحري وفرض معادلاته.
ولم تكن مؤشرات التحذير غائبة في السابق. ففي مناورة «تحدي الألفية 2002»، تمكنت القوات الحمراء بقيادة الجنرال بول فان رايبر من إلحاق الهزيمة بالقوات الزرقاء الأميركية في الخليج العربي. ووفقاً لتحليل نشره موقع «Just Security»، فقد جرى حجب النتائج المقلقة لهذه المناورة خلف التقرير الرسمي الذي أعلن نجاحها.
وحتى في عام 1405 هـ.ش. (2026)، أثارت مقالات في مجلة «Proceedings» التابعة للمعهد البحري الأميركي تساؤلات بشأن مدى جاهزية قدرات الولايات المتحدة في مجال مكافحة الألغام البحرية، ومدى توافرها في منطقة الشرق الأوسط.
** المضيق الثاني
لا يمثّل مضيق هرمز نقطة الضغط الوحيدة. فمنذ آذار/مارس، حذّرت الولايات المتحدة من احتمال إطلاق أنصار الله النار على السفن في باب المندب، بعد تهديد طهران بتوسيع نطاق القيود البحرية.
وفي أيلول/سبتمبر، سيطر أنصار الله على كامل الساحل اليمني للبحر الأحمر، بما في ذلك ميناء المخا وجزيرة بريم، وأصبحوا على مسافة تقارب 20 كيلومتراً من الساحل الأفريقي.
ويمر عبر مضيق باب المندب نحو 12% من التجارة العالمية، و11% من تجارة النفط المنقولة بحراً، و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
ويقول الحوثيون إن البحر الأحمر آمن ومنظّم، فيما تصف إيران أنصار الله بأنهم قوة مستقلة. أما شركات الشحن البحري، فقد تعاملت مع التطورات بحذر شديد.
** الخلاصة
ما يجري هو لعبة كبرى على رقعة الريملاند، وفي نقطة جغرافية تحديداً استندت إليها الهيمنة الأميركية طوال ثمانين عاماً.
لكن هذه اللعبة تنطوي على كلفة متبادلة وباهظة: أزمة في الطاقة والوقود والأسمدة تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن مقتل ما لا يقل عن 24 بحّاراً، وفقاً للإحصاءات المنشورة.
ومن يقرر خوض هذه المواجهة، عليه أن يدرك أن إيران لم تعد مجرد هدف للقصف الجوي والصاروخي؛ بل باتت تمتلك قدرة على إحداث اضطراب في المضائق البحرية.
------------------------------
بقلم: د. جبار السعيداوي
* كاتب سياسي وأكاديمي ـ إيران
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى
رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...
وسط البلد الباهر!
وسط البلد مش حاجة واحدة.. ولا ينفع اختزاله في وجهة نظر فردية.. ولا مقولة تتقال مرة وخلصنا.. لا يجوز....
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري