الأحد، 08 نوفمبر 2026 القاهرة 16.5°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مصر تنهض من رماد

مصر تنهض من رماد

كان عرضا مبهرا للعظمة الذاتية ، قفز بمصر إلى حيث يستحق اسمها له المجد فى العالمين ، فقد فعلها الأبطال المصريون فى ستة أيام وبعض يوم ، وحرروا مجرى قناة السويس من السفينة الجانحة فائقة الحجم والحمولة "إيفرجيفن" ، وهى أشبه بمدينة بحرية ، طولها 400 متر وحمولتها 224 ألف طن ، سدت بخطأ من قبطانها مجرى الملاحة الأهم فى العالم ، وكان خبراء عالميون يقدرون أن تستغرق المهمة نحو ثلاثة شهور ، واستهان بعضهم بقدرات وملكات مصر والمصريين ، التى بدت ساطعة فى الملحمة ، وبمهندسين وفنيين وعمال من ذهب ، وبتخطيط وتنفيذ علمى مصرى خالص ، أزاحوا نحو ثلاثين ألف متر مكعب من الرمال ، وأداروا مناورات التحريك والتعويم بكفاءة مدهشة ، ولم يغمض لهم جفن فى 168 ساعة عمل متصل ، وإلى أن حققوا النجاح المذهل قبل انقضاء اليوم السابع ، وأعادوا الملاحة إلى المجرى الخالد بإذن الله .

ولم تكن هذه المرة الأولى التى تنغلق فيها قناة السويس ، بل التاسعة على التوالى ، وهى الأصعب والأعقد فنيا ، فقد كانت القناة دائما ترمومتر حرارة العالم منذ وجدت قبل 150 سنة ، وتدافعت مرات تعرضها للإغلاق ، ولأسباب كانت بغالبها ظروفا حربية وسياسية ، وكانت فى المرة التاسعة الأخيرة ظروفا فنية قاهرة ، أمل المتربصون أن تعجز مصر ، لكن مصر كانت كعادتها فى الموعد ، وعند أفضل ظنون ناسها ومحبيها ، وحررت الملاحة فى ظرف أيام معدودة ، وأفسحت المجال لمرور سفن وحاويات بالمئات ، إمتدت طوابير انتظارها من بورسعيد إلى سواحل الهند ، وسط مخاوف فزع من تراكم الجلطات فى قلب العالم ، والفقدان الطويل لأسرع وأيسر ممر ملاحى ، يربط شرق الدنيا بغربها ، وتمر فيه 12% من تجارة العالم و20% من حاملات البترول و30% من الحاويات ، ونقل عبره نحو سبعة مليارات طن بضائع فى الخمس سنوات الأخيرة وحدها ، وكان مشروع إزدواج المجرى المنفذ فى سنة واحدة بطول 72 كليومترا من إجمالى طول القناة البالغ 193 كيلومترا ، قد خفض ساعات عبور القناة إلى النصف ، وجرى تمويله باكتتاب عام للمصريين ، جمع ثمانية مليارات دولار فى ثمانية أيام ، وأعيدت أصول الاكتتاب وأرباحها كاملة للمكتتبين ، وحافظ المشروع المفتتح فى 2015 على خط بيانى صاعد لتزايد إيرادات الملاحة ، برغم تعرض التجارة العالمية لنكسات متوالية ، بلغت ذروتها فى عام جائحة كورونا 2020 ، فوق أن نصف عوائد الاكتتاب العام ، ذهبت إلى تطوير يجرى للمنطقة الاقتصادية الصناعية من حول قناة السويس ، التى انخلع قلب العالم لاحتمالات توقف الملاحة فيها ، وزادت أسعار هبطت تلقائيا مع العودة السريعة للملاحة كما كانت ، بل وبمعدلات أسرع ، لعب فيها العلم والتخطيط ودأب المرشدين المتفانين دوره ، كما التحسب لأى عطل طارئ قد يجئ مستقبلا ، بمضاعفة متوقعة لطاقات قاطرات وكراكات الإنقاذ ، بحسب قرارات جديدة للدولة المصرية ، التى قال رئيسها السيسى مثمنا ممتنا "أن الإرادة المصرية سوف تمضى إلى حيث يقرر المصريون" ، كانت الجملة الطويلة اختصارا لزحام تفاصيل المشهد ومضاعفاته كلها ، فقد عرضت دول العالم القادرة المساعدة على مصر ، واكتفت مصر بأن شكرت وقدرت ، لكنها لم تمد يدها لأحد، ولم تعر التفاتا بالذات لعرض الرئيس الأمريكى جو بايدن ، الذى قال متعجرفا متعاليا "لدينا معدات تفتقدها أغلب دول العالم" ، ولم يكن من رد مصرى غير التجاهل التام ، وغير الاستمرار فى الجهد العبقرى الذاتى لتحرير مجراها الملاحى الأعظم ، فقد تكون قناة السويس أبرز علامة تجارية عالمية ، لكنها أيضا ومن قبل ومن بعد ، عنوان حاسم لتراث الوطنية المصرية ، وليس مسموحا لأحد أن يمسها ، سوى أيادى الوطنيين الطهورين القادرين الأكفاء ، وطينها كما ماؤها والدماء التى سالت فيها ، كلها مقدسة عند المصريين جيلا فجيل .

نعم ، قصة قناة السويس رمز بليغ لكفاح مصر الحديثة والمعاصرة ، وقد لا نستفيض هنا فى رواية التاريخ ، فقط نشير إلى علامات الترقيم الفاصلة ، من نوع ما يعرفه الكل عن عبقرية الجغرافيا المصرية فى قلب المعمورة ، وعن استشهاد نحو 200 ألف مصرى فى حفرها الأول بين عامى 1859 و 1869 ، وعن استيلاء بريطانيا ـ بعد فرنسا ـ على نصيب مصر فى عوائدها ، وعن محاولات مد الامتياز الاستعمارى عليها عام 1910 إلى ما بعد عام 1968 ، الذى كان مفروضا بقوة الغصب ، وجعلها ملكا خالصا للأجانب حتى عام 2008 ، ثم كان ما كان من تصدى الحركة الوطنية المصرية البازغة ، واغتيال الشاب الوطنى إبراهيم الوردانى لرئيس وزراء مصر وقتها بطرس غالى نصير المد ، وردع رغبة الاحتلال البريطانى فى تأبيد الامتياز السارق لثروة البلد ، ثم كانت جولات الكفاح الدامى المتقطع الطويل ، وإلى أن استردت مصر استقلالها باتفاقية الجلاء عام 1954 ، ثم كان قرار جمال عبد الناصر التاريخى بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 ، والرفض القطعى لمؤتمرات تدويلها ، التى قادتها واشنطن وقتها بمعية بريطانيا وفرنسا ، وإلى أن دارت حرب السويس ، واستخلصت مصر قناتها وعوائدها كاملة ، وهزمت العدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الإسرائيلى ، وقطعت ذيل الأسد البريطانى بإجلاء آخر قواعده على رأس قناة السويس ، وكتبت كلمة الختام فى سيرة الإمبراطورية البريطانية ، ثم كانت القناة على الموعد مع عبورها الإعجازى المشتعل بالنار فى حرب أكتوبر 1973 ، وإعادة افتتاح القناة للملاحة فى يونيو 1975 ، وعقد ما يسمى معاهدة السلام التى نزعت سلاح أغلب أراضى سيناء ، وإلى أن عاد الجيش المصرى فى السنوات الأخيرة ، ودهس مناطق نزع  السلاح، وحرر سيناء فعليا لا صوريا ، وجرى استيعاب دروس قناة السويس مدنيا وحربيا ،  وأقيمت ستة أنفاق عملاقة محصنة تحت مياه القناة ، صارت بها سيناء كأنها فى قلب دلتا النيل ، وجعلت من قناة السويس همزة وصل وعروة وثقى ، وحتى لا تعود أبدا كمانع حاجز فى أى حرب قد تجئ أو تفرض ، فأنفاق القناة الجديدة تكفى لزحف جيوش ، إضافة لجيوش استقرت بطول وعرض سيناء ، وبقواعد وموانى ومطارات فوق الأرض وتحتها ، وبإنهاء ناجز لقيود فرضتها المعاهدة المشئومة على طلاقة الحركة المصرية ، وهو ما يفتح الباب مجددا لنهوض مصرى ، يهزأ بمحاولات وخطط ومؤامرات استبدال دور القناة أو منافستها ، أغلبها يجرى فى كيان الاحتلال الإسرائيلى بالذات ، وتدعم من خارجه الإقليمى والدولى المتواطئ ، وهو بعض ما يفسر الحرص والحذر المصرى الدائم ، ومنح الأولوية المطلقة لعمل الطاقات الوطنية وحدها فى مجرى قناة السويس ، والابتعاد به عن أى شبهة تدويل ، حتى لو بدت فى صورة عروض مساعدة بريئة لتعويم سفينة جانحة .

وقد لا ينكرعاقل وجود تحديات تواجه النهوض المصرى الجديد ، قد تتعثر بها أقدامه ، فى اختيارات الداخل بالذات ، وتستحق حوارا وطنيا داخليا شاملا ، لكن استعادة استقلال القرار المصرى ، تظل قضية إجماع وطنى عند الموالين والمعارضين ، وقد تحقق فيها الكثير عبر السنوات الأخيرة ، مما يتوجب استكماله ، وعلى نحو يضاعف دور القوة المصرية المستعادة فى منطقتنا وفى عالمنا ، وقد كانت حرب السويس رافعة نهوض وطنى مصرى وقومى عربى عارم ، جرى الانقلاب على اختياراته للمفارقة بعد نصر أكتوبر 1973 ، حين داس الذين "هبروا" على دماء الذين عبروا "القنال" وحطموا خط بارليف ، وكانت النتيجة الفاجعة ، أن دخلت مصر فى دوامات انهيار ، كادت تضيع فيه أقدار البلد ، بين يمين ثروى منتفخ بالنهب ويمين دينى طافح بالعجز ، وإلى أن جرت إفاقة من الغيبوبة الطويلة ، بثورة الشعب المصرى فى 25 يناير 2011 وموجتها الثانية فى 30 يونيو 2013 ، التى وإن لم تحقق بعد انتصارها الكامل ، فإنها فتحت العين على هول ماجرى ، وأزاحت عوائق من طريق نهوض جديد ، تستعيد به مصر دورها تدريجيا ، وترسم خطوطها الحمراء عند موارد الخطر ، كما جرى فى أزمة ليبيا ، ويجرى الآن عند منابع النيل ، ولم تكن مجرد مصادفة تاريخ ، أن ارتبط تأميم قناة السويس ببناء السد العالى الحافظ لمياه النيل ، ولا هى مصادفة اليوم بغير ذات مغزى  ، أن ذهب الرئيس السيسى إلى أبطال قناة السويس بعد تحرير مجراها الملاحى بأيادى بنيها ، وأعلنها من منصة التهنئة ، فى إشارة مباشرة إلى أزمة السد الأثيوبى عند منابع النيل ، وبالعامية المصرية البليغة ، ومن غير التفاف ولا دوران ، قال الرئيس "محدش يقدر ياخد نقطة من مية مصر ، واللى عايز يجرب يجرب" ، ولعل الرسالة قد وصلت بتمامها وكمالها ، فهى من مصر التى تنهض اليوم من رماد ، والتى إن قالت فعلت.
--------------------------
بقلم: عبد الحليم قنديل

[email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة08:41
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
16.5°C
توقعات الساعات القادمة
16.5°C
18.7°C
20.9°C
21.8°C
22.6°C
23.4°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
مسيرة لـ" النهوض بالأزهر " تطالب بدمج أجهزة الدعوة

نظم " ائتلاف النهوض بالأزهر " مظاهرة انطلقت بعد صلاة الظهر من مسجد الفتح برمسيس إلى ميد...

فيديو .. د. فادي نصر خبير التجميل: 9 أشياء يجب معرفتها قبل الفيلر

أكد الدكتور فادي نصر خبير التجميل ومديرمركز غلامور الطبي بالرياض أن هناك 9 أشياء يجيب معرفتها قبل عم...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

120 عاما على ميلاد محمد عبدالوهاب .. امتزج بالوجدان فاستعصى على الغياب

كعادة كل الأشياء العظيمة ، وجودها صعب، نادر.. وملفت ، كنبتة تزهر في الصخر أو نجم الثريا وسط سماء واس...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,068ج.م
عيار 21
6,184ج.م
عيار 18
5,301ج.م
الجنيه الذهب
49,472ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...