مصر الآن أمام لحظة الحقيقة
تمر الدول أحيانًا بلحظات فارقة لا تحتمل التردد أو الحسابات الضيقة. لحظات تشبه الوقوف على حافة صامتة، لا تصرخ، لكنها تحمل ما هو أخطر من الصراخ. اليوم، تبدو مصر واقفة على تلك الحافة بالضبط. فما شهدته الساحة خلال الأسابيع الماضية — من ارتباك انتخابي، وتجاوزات لافتة، وصمت رسمي أثقل من الحدث نفسه — لم يعد مجرد اضطراب عابر، بل مؤشر واضح على أن البنية الإدارية والسياسية تحتاج إلى مراجعة جذرية، لا إلى مسكّنات ظرفية.
تدخّل الرئيس عبد الفتاح السيسي لوقف ما جرى في انتخابات مجلس النواب حمل رسالة مباشرة بأن الأمور خرجت عن السيطرة، غير أن الرسالة التي تلقاها الشارع كانت أعمق وأبعد: أين الرقابة التي تمنع تكرار الأخطاء نفسها في كل محطة سياسية؟ وهل يمكن ترميم قمة الهرم بينما قاعدته تعاني التآكل؟
جهاز المحليات هو النظير الأقرب لحياة المواطنين اليومية، لكن هذا الجهاز — عبر سنوات طويلة — تحول إلى ما يشبه “السلطة الموازية”. نفوذ بلا محاسبة، وقرارات بلا منطق، وثروات تتراكم بلا تفسير. كل شيء قابل للبيع والشراء: رخص، مخالفات، نفوذ، وحتى حقوق البسطاء. هنا لا نتحدث عن خلل إداري، بل عن تشوّه بنيوي؛ منظومة اعتادت العمل في الظل وصنعت لنفسها قوانينها الخاصة.
في المشهد السياسي، يستمر الشلل معلنًا. الوجوه نفسها لا تغادر، المقاعد تتبدل دون تغيير فعلي، والأحزاب تفتقر إلى البرامج والرؤية والقاعدة الشعبية. الانتخابات تُحسم في الغرف المغلقة قبل أن تصل إلى الشارع، وفي ظل هذا الواقع يغيب العنصر الأهم في أي عملية سياسية: التمثيل الحقيقي لإرادة الناس.
اقتصاديًا، يواصل السوق التحرك بمنطق غير مفهوم. الأسعار ترتفع بلا أسباب واضحة، والفوضى تضرب آليات العرض والطلب، فيما يتحمّل المواطن عبئًا أكبر مما يستطيع احتماله. لم يعد الناس يبحثون عن تبريرات أو خطابات، بل عن نتائج ملموسة، وعن إدارة تضبط إيقاع السوق قبل أن يتصدع البيت من الداخل.
ورغم اتساع مساحة الغضب الشعبي، لم تصل الأزمة إلى نقطة القطيعة. المصريون لم يفقدوا إيمانهم بالدولة، بل فقدوا ثقتهم في من أساؤوا إليها. لم يفقدوا الأمل، لكن صبرهم تآكل.
اليوم، لم يعد السؤال موجَّهًا للشارع، بل للرئيس مباشرة: هل تبدأ المواجهة الحقيقية؟ مواجهة المنظومة لا الأشخاص، الفساد لا مظاهره، الجذور لا الفروع.
الدولة التي لا تُصلح جهازها الإداري تتآكل مهما امتلكت من قوة، والدولة التي لا تراجع توجهاتها تكرر أزماتها مهما حسنت النوايا.
مصر اليوم لا تحتاج حملة تجميل شكلية، بل حركة تصحيح شاملة. والأهم: قرار شجاع بأن زمن الترقيع انتهى، وأن المرحلة المقبلة ليست لإدارة أزمة جديدة، بل لإنهاء الأزمة من جذورها.
---------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
هل يقبل محمد الباز التحدي؟
في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...
رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس
سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية
صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري