الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 28.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مشادة زيلينسكي وترامب تخفي مأساة

مشادة زيلينسكي وترامب تخفي مأساة

يبدو حوار زيلينسكي وترامب مثيرا ومسرحيا وشهيا للاستهلاك الإعلامي، وللأسف يختزل بشكل مخل أكثر من 35 سنة من الصراع على أوكرانيا. 

تبدأ مأساة أوكرانيا قبيل تفكك الاتحاد السوفيتي حين كان الرؤساء الأمريكيون حريصون على تحريض أوكرانيا على الإفلات سريعا من تبعية موسكو في عهد جورباتشوف.

لا أوافق مع التوصيف السطحي بأن المتغطي بأمريكا عريان، فسوريا الأسد كانت تتغطى بروسيا أيضا وأصبحت في ليلة واحدة عريانة من كل دعم.

سوريا وأوكرانيا قطعتان على الشطرنج، والشطرنج هو أسوأ تشبيه لقتل الشعوب والأمم، لكنه واقع في صراع الحيتان الكبرى. 

الوعود التي أعطيت لروسيا بترجيح كفتها في أوكرانيا حال خروجها من سوريا والسكوت عن الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط أصبحت أقرب للتحقيق (كما كتبت هنا قبل ثلاثة أشهر). 

وبالتالي، فإنه لا روسيا ولا الولايات المتحدة تدعم أي طرف حبا أو كرامة أو مناصرة لأي قضية بقدر ما هي مصالح وحسابات بلا قلب.

كان بوسع أوكرانيا أن تعيش في سلام ونعيم لمدة 35 سنة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، فهي الشقيقة الصغرى المدللة لروسيا، لكن كان عليها أن تبقى دوما تابعة لموسكو وسياساتها.

النخبة التقدمية في أوكرانيا كانت تحلم بالغرب الأوروبي والانفتاح والفكاك من الاستبداد الروسي القديم الذي كان يطبق مفهوم "الأخ الأكبر المتسلط".

الخيارات كانت واضحة كالشمس بين البقاء في أمن وسلام وحياة متوسطة ونظم شبه اشتراكية في كنف موسكو وبين وميض الغرب وإغرائه وإغوائه وألوانه ووعوده البراقة.

زيلينسكي هو الرئيس الوحيد الذي جاء في زمن اللاعودة في الاستقطاب الغربي، كل من سبقوه عاشوا بدرجة أو بأخرى متأرجحين بين روسيا والغرب والاستفادة من الطرفين.

زيلينسكي مع ذلك لم يخلق أزمة أوكرانيا بل ورثها عن الرؤساء السابقين، خضع للتغلغل الغربي ووعود حلف الناتو بدرجة تفوق قدراته على تخيل العواقب والتداعيات الكارثية، فهو قبل شيء ممثل كوميدي محبوب دخل عالم السياسة بالصدفة.

راهن زيلينسكي على الرعب الأوروبي من أن ابتلاع أوكرانيا يعني وصول الجيش الروسي إلى باريس وبرلين وعودة الشبح الأحمر المهدد لأوروبا كاملة، وحصل على دعم غير مسبوق في تاريخ التسليح والمواجهة في شرق أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

دمرت روسيا أوكرانيا وتشتت الشعب الأوكراني وتفرقت أفضل عقوله وخبراته لصالح المجتمع الأوروبي الذي استقبل المهاجرين من الحرب.

كسبت روسيا بوتين المعركة على الجبهة الأوكرانية لكنها خسرت بالطبع وجودها الفعال في الشرق الأوسط بعد الاستهداف الأخير لحزب الله وإيران وسوريا وفلسطين وارتفاع نجم إسرائيل.

زيلينسكي رئيس دولة متوسطة الحجم بالنسبة لنا صغيرة للغاية بالنسبة لمساحة روسيا، يكرر زيلينسكي نفس المشهد الذي حدث قبل قرنين من الزمن في صراع روسيا القيصرية والدولة العثمانية في جبال القوقاز.

في جبال القوقاز كانت هناك إمارات وممالك إسلامية تنتظر الدعم من الدولة العثمانية في حربها للاستقلال عن القبضة الروسية، جاءت الوعود من الباب العالي "أيها المسلمون ..استمروا في القتال وسنرسل لكم المدد" !

تشير بعض الوثائق أن محمد علي كلف إبراهيم باشا بعد طلب الدولة العثمانية بتقديم الدعم للثوار في جبال القوقاز (داغستان والشيشان حاليا) لمقاومة الغزو الروسي ..لكن حسابات الصراع بين مصر والدولة العثمانية والانكفاء في الباب العالي على ملفات أخرى ترك شعب القوقاز جائزة كبرى لروسيا منذ ذلك التاريخ. 

أوكرانيا مثلها مثل دول إقليم الشرق الأوسط الذي نعيش فيه، إذ تقع جغرافيا في أقاليم التكسر بين القوى الكبرى، وتحتاج إلى براعة ومهارة ومكر ومراوغة وذكاء طبيعي واصطناعي لمواجهة الأطماع الدولية والعالمية للحيلوية دون إساءة استخدامها ورقة في المصالح الكبرى.

وتحتاج مثل هذه الدول إلى جبهة وطنية واحدة ولحمة وطنية تجمع المتفرق ولا تقسم الناس إلى أقسام طائفية أو عرقية أو جهوية.

إن المشاهد المثيرة في لقاء زيلينسكي وترامب ستبيع جيدا ملايين المشاهدات من أجل التسلية والإبهار، لكنها تخفي مأساة كبيرة في التلاعب بمقدرات الشعوب التي تتحكم فيها مجموعة شريرة من أساليب استعمارية متجددة طورت نفسها منذ آلاف السنين ويذهب ضحيتها الأقل ذكاء، والأكثر غرورا، والأقرب للشقاق والانقسام، والأبعد عن التطور والحداثة، والأقرب نسبا لسياسات القبيلة والعشائرية والمصلحة. 

لم يتغير شيء في المصطلح المؤلم "اللعبة الكبرى" الذي ظهر بوضوح في مطلع القرن العشرين، ورغم أن اللعبة ترجمة حرفية لكلمة المباراة أو المبارزة إلا أنها بكل أسف تناسب مفهوم "التلاعب بمصير الأمم والشعوب"
---------------------------
بقلم: د. عاطف معتمد
(نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك)

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:06
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
28.3°C
توقعات الساعات القادمة
28.3°C
27.2°C
26.3°C
25.5°C
24.8°C
24.1°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
في الجزء الثاني من حوار مطول.. مدحت الزاهد: قتل السياسة يفضي إلى انفجار

- الحياة السياسية، بعد أن تعرضت لحالة خنق، أشبه بعربة غرست فى الوحل.- مجتمع الصوت الواحد الذي يدار ب...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

حريق بسفينة في ميناء دمياط وجاري حاليا التعامل معه والسيطرة عليه عن طريق الحماية المدنية

صرح المركز الإعلامي لهيئة ميناء دمياط أنه بتاريخ اليوم الخميس، الموافق وفي تمام الساعة الواحدة والنص...

حكم الإفرازات البيضاء التي يميل لونها إلى الصفرة

السؤال:كنت قد سألتكم منذ مدة طويلة عن هذا الموضوع، والآن أسال في نفس الموضوع، ولكن بعد بحث طويل فيه...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,983ج.م
عيار 21
6,110ج.م
عيار 18
5,237ج.م
الجنيه الذهب
48,880ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...