الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 القاهرة 29.3°C
رئيس التحرير مجدي شندي
مسؤولية الخصم التعسفية عن تعويض أضرار التقاضي في الأنظمة السعودية

مسؤولية الخصم التعسفية عن تعويض أضرار التقاضي في الأنظمة السعودية

تلزم المحكمة الطرف المسيء بتعويض الخصم الآخر عن كافة الأضرار المادية (أجور المحامين، مصاريف التنقل، فوات الكسب) المعادلة للجهد والضرر.

وتندرج الطبيعة القانونية لدعوى أتعاب المحاماة (التي يرفعها الخصم الرابح ضد الخصم الخاسر) بناءً على الأنظمة القضائية والتشريعية الحديثة في المملكة العربية السعودية خاصة نظام المعاملات المدنية، تحت تكييف "دعوى التعويض عن أضرار التقاضي" المستندة إلى المسؤولية التقصيرية (الفعل الضار)، وليس المسؤولية العقدية.

وحيث إن الطبيعة القانونية للمطالبة بأتعاب المحاماة ومصاريف الخصومة بين أطراف الدعوى تكيّف نظاماً بأنها (دعوى تعويض عن أضرار التقاضي) استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية (الفعل الضار) في نظام المعاملات المدنية، وإذ قررت المادة (28) من النظام ذاته أن 'الجواز الشرعي ينافي الضمان'، إلا أن هذا الجواز مقيد بعدم التعسف في استعمال الحق. ولما كان مسلك الخصم قد انطوى على تعسف ظاهر تمثل في المطل، أو الكيد، أو قصد الإضرار المحض، مما ترتب عليه أضرار مادية لحقت بموكلي تمثلت في دفع أجور المحاماة، ومصاريف التنقل، وفوات الكسب، وهي أضرار مباشرة ترتبط برابطة السببية بمشروع التقاضي المفتعل؛ فإن أركان المسؤولية التقصيرية من (خطأ، وضرر، وعلاقة سببية) تكون قد استقرت موجبة للتعويض المعادل للجهد والضرر.

لمّا كان حق التقاضي من الحقوق المكفولة بنص المادة (السابعة والأربعين) من النظام الأساسي للحكم، والتي جعلت هذا الحق مظلة وقائية مشروعة ومتاحة للجميع من مواطنين ومقيمين؛ فإن الأصل الثابت في ممارسة هذا الحق هو المشروعية وحسن النية المجرّد عن إرادة الإضرار.

وعلى الرغم من أن إساءة استعمال حق التقاضي (أو التعسف فيه) يُعد عارضاً يخرج الخصومة القضائية عن مقاصدها العدلية النبيلة، ويحولها من وسيلة لحماية الحقوق إلى أداة للمماطلة والنكاية بالخصوم وهو ما يوجب المسؤولية والتعويض إلا أن القضاء قد ضبط معيار هذا التعسف بضوابط صارمة؛ إذ يرتكز أساساً على "العلم اليقيني بالبطلان" أو "انتفاء الشبهة تماماً"، بحيث يثبت أن المتنازع يستمر في خصومته أو مماطلته وهو يعلم يقيناً أنه غير محق.

وتتجلى صور إساءة استعمال هذا الحق فيما وصمه المنظم السعودي بالوصف الموجب للتعزير أو التعويض، كالدعاوى الكيدية أو الصورية المنصوص عليها في المادة (الرابعة) من نظام المرافعات الشرعية، أو إنكار الحقوق الثابتة والمماطلة المنصوص عليها في نظام المحاكم التجارية، والمتمثلة في الامتناع عن أداء حق ظاهر العدالة والثبوت (كالالتزامات الناشئة عن الأوراق التجارية أو العقود الموثقة) لإجبار الدائن على سلوك سبيل التقاضي قصد إطالة أمد السداد، وهو المطل والظلم الموجب لرد أتعاب المحاماة ومصاريف التقاضي.

واستخلاصاً وتطبيقاً لما سلف ذكره فإن مجرد خسارة الخصم لدعواه لا تعني تلقائياً وبقوة النظام أنه ارتكب خطأً موجباً للمسؤولية والتعويض؛ إذ ينفي ركن الخطأ تماماً متى ما كان اللجوء إلى القضاء قائماً على "شبهة سائغة" أو "ظنٍّ بمشروعية المطالبة"، إعمالاً للقاعدة الفقهية المستقرة الجواز الشرعي ينافي الضمان، والقول بغير ذلك فيه تضييق للمشروع وتقييد لما كفله النظام الأساسي للحكم.

ومن أبرز الأمثلة الجوهرية والواقعية التي تؤكد حسن النية وينهار معها ركن الخطأ: (غموض البنود العقدية). فإذا شاب العقد لبسٌ أو إبهام يحتمل التأويل، أو ثار خلاف موضوعي بين أطرافه في تفسير وقائعه ومدى إنفاذ التزاماته المتبادلة، فإن خسران الطرف لدعواه لا يخرجه عن دائرة ممارسة الحق المشروع؛ إذ يغدو لجوؤه للقضاء حينئذٍ إجراءً تدبيرياً وتفسيرياً طبيعياً استدعى تدخّل القضاء للوقوف على التفسير النظامي الصحيح، لا بقصد الإضرار بالخصم أو نكايته.

ولما كان الدفع بانتفاء ركن الخطأ لغموض العقد وسائغية اللجوء للقضاء يُعد دفعاً نظامياً موضوعياً قوياً يرفع عن كاهل المتقاضي وصف المتعسف أو المخطئ؛ فإن التبعية القانونية والمنطقية المترتبة على ذلك هي سقوط دعوى التعويض عن أتعاب المحاماة ومصاريف التقاضي، لعدم اكتمال أركان المسؤولية التقصيرية المتمثلة في (الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية)، وحيث إنه إذا انهار ركن الخطأ، تهاوت معه المسؤولية لعدم قيامها على ساق.
--------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبد الرحمــن
* كاتب وباحث، حاصل على دكتوراة في القانون التجاري جامعة القاهرة، محام بالنقض ومستشار قانوني
بريد الكتروني: [email protected]

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة03:53
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
29.3°C
توقعات الساعات القادمة
29.3°C
29.5°C
29.2°C
28.5°C
27.5°C
26.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
إبراهيم فتحي ...مؤسس العناوين الكبرى

رحل عن عالمنا منذ أيام، المثقف، المناضل اليساري، المترجم، الناقد الادبي، والمفكر ابراهيم فتحي،...

هل يقبل محمد الباز التحدي؟

في حلقة 6 أغسطس 2019 من برنامج 90 دقيقة على قناة المحور دعا الزميل محمد الباز مقدم البرنامج 3 من أعض...

الصبي والبلطجي!!

قبل عدة عقود ظهرت ألغام بحرية في البحر الأحمر هددت مسارات الملاحة الدولية.. واضطرت شركات كثيرة لتوجي...

آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي

"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
6,966ج.م
عيار 21
6,095ج.م
عيار 18
5,224ج.م
الجنيه الذهب
48,760ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...