الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 القاهرة 18.6°C
رئيس التحرير مجدي شندي
محمد صلاح.. سجين أحلامنا

محمد صلاح.. سجين أحلامنا

منذ إعلان انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور التركي، انقسمت منصات التواصل الاجتماعي كعادتها. فريقٌ رأى في الخطوة تراجعًا لا يليق بنجمٍ صنع مجده في ليفربول، وآخر دافع عنها باعتبارها قرارًا شخصيًا في نهاية مسيرته، وثالث ترك الأمر لصاحب الشأن. ولم يخلُ الجدل من اتهاماتٍ ذهبت إلى حد القول إنه «باع تاريخه لأردوغان»، وكأن اختيار نادٍ جديد يكفي لإعادة تعريف مسيرةٍ كاملة.

لكن اللافت أن الخلاف لم يكن حول طرابزون سبور، ولا حتى حول صلاح نفسه، بقدر ما كان حول الصورة التي صنعناها له في وعينا. فكلما ابتعد عنها، بدا لكثيرين وكأنه خانها، مع أنها لم تكن يومًا صورته، بل صورتنا نحن عنه.

هي ظاهرة تستحق التأمل في السلوك الجمعي المصري كلما لمع اسمٌ لمصري في الخارج، سواء كان لاعبًا أو فنانًا أو إعلاميًا أو عالمًا. يتحول فورًا إلى رمزٍ وطني يُحمَّل بما لا يحتمل. ومن هنا لم ينظر كثيرون إلى محمد صلاح باعتباره لاعبًا موهوبًا أثبت نفسه في بيئةٍ احترافية قاسية، بل رأوه مرآةً لأمانيهم المكبوتة وأحلامهم المؤجلة. 

ومن هنا تبدأ المبالغة؛ فحين ينجح، يبدو انتصارًا للأمة كلها، وحين يختلف معهم في موقفٍ أو تصريح، ينقلب الحب إلى غضب.

المشكلة فينا لا فيه. فنحن نصنع أبطالنا على قدر أمانينا، لا على قدر ما فيهم من بشرية وحدود وضعف وقوة. نُلبسهم أردية الطهر الكامل والبطولة الخالصة، ونطالبهم أن يظلوا أوفياء للصورة التي رسمناها لهم، لا لأنفسهم. فإذا قالوا ما لا نحب، أو تصرفوا بما لا نتوقع، بدأنا ننزع عنهم الألقاب التي أغدقناها عليهم، كأننا نثأر من خيبةٍ فينا لا فيهم. 

وهكذا نعيد إنتاج دورةٍ متكررة؛ نفرط في الإعجاب، ثم نفرط في الإدانة.

ولعل السبب الأعمق أن المجتمع الذي طالما جُرح في كبريائه الوطنية، وذاق مرارة الإقصاء والتهميش، يبحث دائمًا عن وجهٍ يرمز إليه في مرايا العالم، عن شخصٍ يرفع رأسه في الخارج ليعوّض له شعور الانكسار في الداخل. لذلك لا يرى المصري في بطله مجرد فردٍ ناجح، بل وعدًا مضمرًا باستعادة المكان والمكانة معًا. وهنا تتحول العلاقة بين الجماعة ورموزها إلى علاقةٍ معقدة، يتداخل فيها الحلم بالخذلان، والإعجاب بالتوقعات، حتى يغدو البطل وعاءً نفسيًا لاحتياجات المجتمع أكثر من كونه إنسانًا يعيش حياته الخاصة.

هنا يكمن جوهر المأزق؛ فالأمة التي تبحث عن خلاصها في فرد، تعيد إنتاج ضعفها الجماعي. والبطل، مهما بلغت موهبته، لا يستطيع أن يملأ فراغ أمة، بل الأمة الواعية هي التي تمنح أبطالها معناهم الحقيقي، وتحميهم من أن يُستهلكوا في عواطفها المتأرجحة بين التصفيق والاتهام.

إن الوعي المصري، الذي تشكل على امتداد قرنين من الصعود والانكسار، يحتاج اليوم إلى مصالحةٍ مع ذاته قبل أن يصالح رموزه. أن يدرك أن البطولة ليست في أن يحمل الآخرون عنه عبء الأمل، بل في أن يتحمل هو مسؤوليته في بناء الأمل نفسه. عندئذٍ فقط، سيكف عن صناعة الأبطال ليعلقهم في سماء الحنين، ويبدأ في صناعة واقعٍ يليق به وبهم معًا.

ولعل محمد صلاح هو التجسيد الأوضح لهذه الرمزية الجديدة في المخيال المصري. فهو ابن بيئةٍ بسيطة خرج من قلب الريف إلى قلب أوروبا، دون وساطة سلطة أو دعمٍ مؤسسي، فصار رمزًا لجيلٍ يبحث عن طريقٍ مختلف إلى الاعتراف. لم يكن نجاحه مجرد إنجازٍ رياضي، بل وعدًا بإمكانية أن ينجح المصري خارج النظام المغلق الذي كبّل أحلام الداخل.

لكنه، في الوقت نفسه، أصبح أسيرًا لتوقعاتٍ أكبر منه؛ فكل تصريحٍ أو ابتسامةٍ أو صمتٍ منه يُحمَّل دلالاتٍ وطنية أو سياسية أو أخلاقية، وكأن عليه أن يكون لاعبًا وسفيرًا ونبيًا في آنٍ واحد.

سيبقى من حق الناس أن يعجبهم انتقال صلاح أو يرفضوه، وأن يناقشوا جدواه الرياضية، فهذا جزءٌ طبيعي من متابعة كرة القدم. لكن ما ليس طبيعيًا أن تتحول كل محطةٍ في حياته إلى استفتاءٍ على وطنيته أو وفائه أو قيمته.

لا تحملوا محمد صلاح فوق ما يحتمل، ولا تطلبوا منه أن يكون أكثر مما اختار أن يكون. فهو لم يوقّع عقدًا ليمثل أحلامنا إلى الأبد، بل وقّع عقدًا جديدًا في مسيرته المهنية. أما نحن، فربما آن الأوان أن نتوقف عن مطالبة أبطالنا بأن يعيشوا حياتهم وفق السيناريو الذي كتبناه لهم، وأن نتعلم كيف نفرق بين حقنا في إبداء الرأي، وحقهم في اختيار الطريق الذي يرونه لأنفسهم.

فصلاح لا يحتاج إلى أن نحمله على الأكتاف، بل إلى أن نحمل نحن أنفسنا إلى مستوى ما يمثله من جديةٍ وإصرارٍ واجتهاد. فالأمم لا تُبنى بالمبالغات، ولا بصناعة أصنامٍ من البشر ثم تحطيمها عند أول اختلاف، وإنما تُبنى بمجتمعٍ يصنع أبطاله، ثم يترك لهم الحق في أن يظلوا بشرًا.
-----------------------------------
بقلم: محمد حماد

استمع إلى المقال حوّل المقال إلى تجربة صوتية
مدة القراءة04:30
تعليقات


الطقس
القاهرة مصر
18.6°C
توقعات الساعات القادمة
18.6°C
18.6°C
18.9°C
20.8°C
23.4°C
25.5°C
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط

ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...

نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية

استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...

رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات

وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...

نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس

أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...

الاكثر قراءة
تحت شعار "الدواء دون أضرار".. الاعتماد والرقابة الصحية تحتفل باليوم العالمي لسلامة المرضى

تنطلق غدا السبت فعاليات اليوم العالمي لسلامة المرضى، التي تنظمها الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الص...

البابا تواضروس يحاول تقبيل يد الأنبا أمونيوس ورد اعتباره بعد 19 عاما من النفي

خمسة أساقفة و7 قساوسة بالأقصر ورجل اعمال شهير ورأء قرار أسبتعاده وأسقف شهير:"علي جثتي عودة الأنبا أم...

في انتظار رد اﻷمن.. عن عوائق سفر أعضاء هيئة التدريس (دراسة خطيرة)

تحاول الدولة منذ سنوات فرض سيطرتها على الجامعات المصرية باستخدام قوانين وقرارات عدة أصدرتها خلال الس...

رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس

سيدي الرئيس: "إنَّ الوصيةَ لو تُرِكَتْ لفضلِ أدبٍ، تُرِكَتْ لذلك منكم"، وإنَّ النصيحة لو ح...

أسعار الذهب اليوم

السعر بالجنيه المصري

عيار 24
7,280ج.م
عيار 21
6,370ج.م
عيار 18
5,460ج.م
الجنيه الذهب
50,960ج.م
عرض جميع الأسعار

تابعونا


جارٍ التحميل...