مبادرة مسرور بارزاني: هل تفتح نافذة جديدة بين أربيل وبغداد لإنقاذ الاقتصاد العراقي؟
في خضم ظروف إقليمية مضطربة وتحديات اقتصادية متزايدة تواجه العراق، جاءت تصريحات رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني الأخيرة لتعيد ملف العلاقة بين أربيل وبغداد إلى واجهة النقاش الوطني، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة؛ زاوية البحث عن حلول مشتركة بدل إدارة الأزمات المزمنة.
تصريحات مسرور بارزاني:
ومن خلال تصريحات بارزاني التي أكد عليها اثناء افتتاح مركز نشاطات شبابي في اربيل كانت:
"في هذا الظرف الاقتصادي الحساس الذي يمرّ به العراق، نحن مستعدون من أجل زیادة الواردات، للقيام بكل أشكال التنسيق وتقديم التسهيلات اللازمة للحكومة الفيدرالية، لكي نتمكن من استئناف تصدير النفط بصورة طبيعية وزيادته أيضًا"
كما مجددًا موقف إقليم كوردستان الداعم للحكومة العراقية الفيدرالية برئاسة السيد علي الزيدي، ولهذا الغرض وجّه وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان إلى تسريع إجراءات تصدير النفط عبر خط أنابيب نفط إقليم كوردستان.
وشدّد ايضا على العمل المشترك والتعاون مع الحكومة العراقية الفيدرالية قال مسرور البارزاني:
"لكي نتمكن جميعًا من زيادة الإيرادات الاتحادية"
"بامكان هيئة التنسيق بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كوردستان، أن تكون قادرة على تقديم مبادرات بنّاءة، تُسهم في دعم اقتصاد العراق الفيدرالي"
فحين يؤكد بارزاني استعداد إقليم كوردستان للقيام بكل أشكال التنسيق والتعاون مع الحكومة الاتحادية من أجل استئناف تصدير النفط وزيادة الإيرادات العامة، فإنه يقدم مبادرة عملية يمكن أن تتحول إلى أحد أهم مفاتيح معالجة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق في هذه المرحلة الحساسة.
سنوات من الخلافات والفرص الضائعة
على مدى أكثر من عقدين، ظل ملف النفط والموارد المالية واحداً من أعقد الملفات بين أربيل وبغداد. فمنذ إقرار الدستور العراقي عام 2005، اختلف الطرفان حول إدارة الثروات النفطية وصلاحيات التعاقد والتصدير وآليات توزيع الإيرادات.
وتراكمت الخلافات عبر الحكومات المتعاقبة، لتتحول أحياناً إلى أزمات سياسية ومالية خانقة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين، خصوصاً بعد توقف تصدير نفط إقليم كوردستان عبر ميناء جيهان التركي، وما ترتب على ذلك من خسائر مالية كبيرة للعراق عموماً ولإقليم كوردستان على وجه الخصوص.
كما أدت هذه الخلافات إلى تأخر أو تعثر العديد من الاتفاقات المتعلقة بالموازنة ورواتب الموظفين والالتزامات المالية المتبادلة، الأمر الذي خلق حالة من عدم الثقة بين الطرفين، وأضاع فرصاً كثيرة كان يمكن أن تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني.
لكن تصريحات مسرور بارزاني الأخيرة تحمل مؤشراً مختلفاً، إذ إنها تنطلق من منطق البحث عن حلول واقعية تستجيب للتحديات التي تواجه البلاد.
دعم مبكر لحكومة علي الزيدي
تكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية لأنها تأتي في مرحلة مبكرة من عمر حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي تسلم مسؤولياته في ظروف ليست سهلة على الإطلاق.
فالزيدي يواجه تركة ثقيلة من الملفات الاقتصادية والمالية والخدمية، فضلاً عن التحديات السياسية الداخلية والتوترات الإقليمية المتصاعدة. ولذلك فإن أي انفراجة في العلاقة بين بغداد وأربيل يمكن أن تمثل دعماً حقيقياً لحكومته وتمنحها مساحة أوسع للحركة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تأكيد بارزاني المتكرر على دعم الحكومة الاتحادية، باعتباره رسالة واضحة مفادها أن إقليم كوردستان مستعد للمشاركة في إنجاح تجربة الحكومة الجديدة إذا كانت هناك إرادة متبادلة للوصول إلى حلول.
فاستئناف تصدير النفط وزيادة الصادرات يعني زيادة الإيرادات الاتحادية وتحسين قدرة الحكومة العراقية على تمويل مشاريعها وخططها التنموية والوفاء بالتزاماتها المالية.
ولذلك فإن نجاح بغداد وأربيل في تجاوز هذا الملف سيكون نجاحاً لحكومة الزيدي نفسها، لأنه سيقدم نموذجاً مختلفاً لإدارة الخلافات بعيداً عن منطق الصراع الذي طبع العلاقات خلال سنوات طويلة.
هل تلتقط بغداد الرسالة؟
السؤال الأهم اليوم يتعلق بما ستفعله بغداد حيال هذه الرسائل.
فالتصريحات بحد ذاتها مهمة، لكنها تحتاج إلى خطوات عملية تترجمها إلى واقع ملموس. وهنا تبرز مسؤولية الحكومة الاتحادية في التعامل مع هذه المبادرة باعتبارها فرصة وليست مجرد موقف إعلامي.
هل ستتحرك اللجان المشتركة بصورة أسرع؟
هل ستتم معالجة العقبات القانونية والفنية التي تعيق استئناف التصدير؟
هل ستظهر مرونة سياسية متبادلة تسمح بإنجاز تفاهمات طويلة الأمد بدل الحلول المؤقتة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انفراجاً حقيقياً في العلاقات بين الطرفين أم أن الملف سيعود مجدداً إلى دائرة التعقيد والتجاذب.
ومع أن التجارب السابقة تجعل كثيرين يتعاملون بحذر مع أي تفاؤل، إلا أن طبيعة التحديات الحالية قد تدفع الجميع إلى إعادة النظر في الحسابات التقليدية.
المنطقة على فوهة بركان
لا يمكن فصل هذه التصريحات عن البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق.
فالمنطقة تمر بواحدة من أكثر مراحلها حساسية خلال السنوات الأخيرة. الحروب والصراعات الإقليمية والتوترات الأمنية والضغوط الاقتصادية تلقي بظلالها على جميع دول المنطقة دون استثناء.
وفي مثل هذه الظروف يصبح الاستقرار الاقتصادي جزءاً أساسياً من الأمن الوطني.
فالعراق اليوم بحاجة إلى تعظيم موارده المالية وتقليل نقاط الخلاف الداخلية أكثر من أي وقت مضى، كما أن إقليم كوردستان بحاجة إلى بيئة مستقرة تسمح له باستثمار إمكاناته الاقتصادية وتحقيق التنمية.
ومن هنا تبرز أهمية دعوة بارزاني إلى العمل المشترك بين بغداد وأربيل، فالتحديات التي تواجه العراق لم تعد تسمح بإهدار المزيد من الوقت في الخلافات السياسية أو الدخول في نزاعات تستنزف الموارد والطاقات.
إن الرسالة التي تحملها هذه التصريحات تتجاوز ملف النفط نفسه، لتصل إلى فكرة أوسع مفادها أن التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية واستراتيجية.
فرصة تستحق الاختبار
صدور هذا النوع من الرسائل في هذا التوقيت يحمل دلالات مهمة:
ففي لحظة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية والأمنية، يبعث إقليم كوردستان بإشارة واضحة مفادها أنه مستعد للمشاركة في البحث عن حلول وطنية مشتركة، وأن أبواب التعاون مع بغداد مفتوحة إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة: هل ستلتقط بغداد هذه الفرصة وتحوّلها إلى مسار جديد من الشراكة والتفاهم، أم ستبقى المبادرة مجرد محطة أخرى في سجل طويل من الفرص غير المستثمرة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستؤثر في مستقبل الاستقرار الاقتصادي والسياسي للعراق كله خلال السنوات المقبلة.
-----------------------------
بقلم: أحمد الزاويتي
الطقس
إقرأ أيضا
هاكان فيدان يشيد بموقف مصر المسؤول عقب استهداف سفينتي طاقة في دمياط
ثمن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الموقف المصري المتزن والمسؤول الذي اتخذته مصر عقب الهجوم...
نبيل فهمي يبحث أمين عام مجلس التعاون الخليجي تطورات القضايا العربية والإقليمية
استقبل نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، اليوم الخميس، جاسم محمد البديوي، الأمين العام ل...
رئيس حزب الوفد يوجّه بالاستعانة بالكوادر القبطية والشباب في تشكيلات الحزب بالمحافظات
وجّه الدكتور السيد البدوي شحاتة رئيس حزب الوفد دعوة عاجلة لجميع الأعضاء واللجان المكلفة بتشكيل اللجا...
نقيب الإعلاميين: ملتزمون بميثاق الشرف الإعلامي وبقرار المحكمة بحظر النشر في قضية التجمع الخامس
أصدرت نقابة الإعلاميين، برئاسة الإعلامي الدكتور طارق سعده، نقيب الإعلاميين، بيانًا بشأن الخطاب الوار...
الاكثر قراءة
حديث الإفك وكلاب السكك!
كان عم شمس ضابط شرف برتبة نقيب عندما كنت في مدرسة الصاعقة ، كان يشغل منصب قائد سرية كلاب حرب، وكنا ج...
درجة قصة الذي تعلم لغة القطط من نبي الله سليمان
السؤال:ما صحة هذه الرسالة؟ قصة حلوة جدا ومؤثرة، كان من معجزات نبي الله سليمان أنه يكلم الطير والريح...
آني أرنو - الفائزة بنوبل - ووجع الذنب والتمرد على الأب العامل والجد العربجي
"إن وظيفة الكتابة أو نتاجها ليست طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا...
زهايمر!
هل يمكن أن نضيف شيئاً ؟ .. فتح ، حماس ، فتح الإسلام .. يسار ، يمين .. ديمقراطية ، عسكرتارية ، أوتوقر...
أسعار الذهب اليوم
السعر بالجنيه المصري